محاضرة التفسير المقاصدي

التفسير المقاصدي وعلم مقاصد الكتاب المجيد

 فضيلة  الدكتور.إسماعيل الحسني.

 

قام فضيلة الدكتور الحسني بتقديم أولي حول أهمية كتاب الله عز وجل وزواياه المتعددة وعلومه المتنوعة فقد كان معجزا من مختلف جوانبه .

ثم ألمع إلى أن علم المقاصد يتسم بالشمول من حيث الموضوع.لأنه لا يتعلق فقط بالأحكام بل يستغرق كل علوم القرآن المجيد من أخبار وقصص، وأدعية وغير ذلك من الموضوعات التي عالجها الله عز وجل.

كما أن علم المقاصد ليس شأن العلماء المبتدئين بل شأن العلماء الراسخين، أمثال الإمام الطاهر بن عاشور وأبو إسحاق الشاطبي الذي يقول في كتابه الموافقات: “وإذا كان كذلك لزم من رام الاطلاع على كليات الشريعة، وطمع في إدراك مقاصدها واللحاق بأهلها أن يتخذه سميره و أنيسه وأن يجعله جليسه على مر الأيام والليالي، نظرا وعملا لا اقتصارا على أحدهما، فيوشك أن يفوز بالبغية وأن يظفر بالطلبة، ويجد نفسه من السابقين وفي الرعيل الأول”.

والمقاصد في القرآن الكريم صنفين: مقاصد الخطاب وهي المعاني المقصودة من ألفاظ القرآن الكريم والدلالات التي يقصدها الشارع من ألفاظه. ثم مقاصد الأحكام: ونصل إليها بأحكام فالقرآن الكريم نزل بأسباب النزول أي نزل في ضوء ملابسات محددة، وأحوال القرآن الكريم خطاب فيه دلالات وسياقات ومقامات.كالسياق اللساني للخطاب، وكالمقام الحالي الذي يحمل جملة من الظروف والمناسبات الخارجية التي نزل فيها الخطاب القرآني.

والمقاصد عند العلماء هي مصالح صاغها الله في خطابه، وهذا الخطاب ينطوي على معاني منها المقصود وغير المقصود وخاصية القرآن خاصية الاحتمال، وبعد الحكم يكون استدلال وينبغي للحكم أن يكون معنى مقصودا من الخطاب، وينبغي أن يهم عالم المقاصد مصالح الناس لا بحسب ما

يقصده الخطاب البشري بحدوسهم وآرائهم المتفاوتة، بل كما يقصدها الله تعالى ، ومن هنا جاءت أهمية الاعتناء بأهمية مقاصد الله عز وجل لأن الناس التفتوا إلى البعد المصلحي وأغفلوا البعد الدلالي الذي ابتغته الشريعة.

وإن أحكام مقاصد القرآن الكريم هي الغاية المقصودة من تشريع القرآن الكريم.

والفرق بين مقاصد الخطاب ومقاصد الأحكام راجع إلى طبيعة كل واحد منهما على حدة، فمقاصد الشارع من أحكامه ذات مقاصد خطابية.

كما نجد أن مقاصد دعوى العلم تعتمد على مقتضى المبادئ /ومقتضى التقنيات /ومقتضى المفاهيم.

ويستند علم المقاصد في القرآن الكريم إلى مبدأ الإفادة أي ربطه بالشروط والملابسات المجتمعية، أما مقاصد القرآن من أحكامه فهي قيمته التي تنهل من قيم القرآن المبتغاة.

يمكن تحديد مقاصد القرآن الكريم في المعاني المقصودة من الخطاب القرآني التي يتوصل إليها باستحضار المقام (الذي سيق فيه الخطاب) والغايات المصلحية المقصودة بتشريع أحكامه والمتوصل إليها بعُدة علمية.

والغايات المصلحية متفاوتة من الناحية المعرفية فنجدها: تارة جزئية تتناول كل حكم قرآني على حدة.

وتارة أخرى تكون خاصة بمجال محدد من المجالات التي عرض لها القرآن كالعبادات أو المعاملات.

وتارة ثالثة تكون عامة لكل القرآن الكريم .

والموضوع الأساسي في التفسير المقاصدي هو المصلحة المتسقة مع ما يقصدها القرآن الكريم من مصالح.

مسألة المقاصد مسألة اجتهادية وليست ذوقية لذلك تعتمد على المناسبات .

وماكتبه المفسرون يبرز أن الحديث عن المناسبة حديث اجتهادي يقتضي كذلك المقام الذي سيقت فيه الآية والمقام نوعان: حالي ومقامي.

الحالي ومثاله ماجاء في الحديث المروي عن عروة حين قال :  قلت لعائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ما أرى على الذي لم يطف بين الصفا والمروة شيء وما أبالي أن لا أطوف بينهما قالت بئس ما قلت يا بن أختي طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم وطاف المسلمون فكانت سنة وإنما كان من أهل المناة الطاغية التي بالمشلل لا يطوفون بين الصفا والمروة فلما كان الإسلام سألنا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأنزل الله { إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما }(البقرة.157) ولو كانت كما تقول لكانت فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما” فالسيدة عائشة هي التي عاينة المقام وعاشت النزول .
أما المقام المقالي فيستفاد منه بأن المخاطبون هم المسلمون الأوائل بعها جمعت المسلمين كافة.

فهل المقصود من الخطاب هو خصوص السعي أم أن الخطاب عام يشمل خصوص السعي وغيره من أنواع البر و الطاعات، فهل يشمل الذين حضروا الواقعة أم شملت الذين حضروا والذين لم يحضروا.
فالمقصد إذا : الحث على الطواف بين الصفا والمروة/ رفع الحرج عن الطائفتين مفاده الرحمة واليسر في أحكام القرآن / تخطئة المشركين الذين كانوا يعتبرون الصفا والمروة من شعائر الله والمقصود تغيير عاداتهم وتقاليدهم بمعالجة وتهذيب عموم الخيرية.
فلتحديد مقصد الآية وجب اعتماد مناسبة الآية، مقام الآية وعرض الأفهام المختلفة لمعنى الآية
ليخلص إلى القول بأن التفسير المقاصدي هو التفسير الذي يروم الظفر بمقاصد القرآن الكريم من خلال الاعتماد على مقاييس البناء الثلاث، مقياس درجة معرفة المفسر مناسبة نزول الآية، ومقياس معرفة مقام الآية، ثم نوع جهده في استخراج ما تضمنته أحكامها بالنية المقصودة.كما يعتمد علم المقاصد على مقتضيات ثلاث: مقتضى المبادئ/مقتضى التقنيات/مقتضى المفاهيم.
وخلص أيضا إلى أن المعرفة المقاصدية ليست ذوقية بل علمية خاضعة لمقاييس علمية كما سبقت الاشارة.
إن التفسير المقاصدي هو التفسير الذي يروم الظفر بمقاصد الآيات القرآنية سواء مقاصدها من خطاباتها أو مقاصدها من أحكامها وشرعية هذا المقصد أو ذاك مبنية على ثلاثة مقاييس أولها مقياس مبلغ حرص المفسر على تبيين وجوه المناسبات بين الآيات القرآنية والثاني درجة استيعابه للمقامات التي سبقت فيها الآيات القرآنية حتى يفيد منها في تحديد المقاصد القرآنية.والثالث نوع جهده في تعليل ما تضمنه أحكامها من مصالح مقصودة .
إن المعرفة بمقاصد الكتاب المجيد لكي تكون علمية، ولكي يصدق عليها وصف العلم يجب أن تنبني على ثلاثة مقتضيات منهجية ومفصلية وهي: مقتضى المبادئ /ومقتضى التقنيات / ومقتضى المفاهيم، فإذا بلغت العناية بالمقاصد هذا المبلغ تبنا فائدتها وصلاحيتها في تفسير وفهم وترجمة القرآن الكريم، فبالمقاصد تتعدد الفهوم وبالمقاصد يشعر المترجم أنه في وضعية مربكة لأنه ينقل وجها من وجوه فهوم هذا النص، والتي ترتبط بسياقات مختلفة.
وعلم المقاصد رسخ لعلوم مختلفة دائما ما تكون نواة له، كما أن المقاصد تتنوع وتختلف بين مقاصد شرعية ومقاصد اجتماعية ومقاصد طبيعية وإذا بلغ المفسر مقصد الشارع من كلامه، امكنه تبليغه ونقله إلى لغات مختلفة.

 

مقالات ذات صله