محاضرة علم القراءات

أهمية علم القراءات القرآنية في فهم وترجمة القرآن الكريم

فضيلة الدكتور عبد الكبير أكبوب

 

في مقدمة محاضرته ألمح الدكتور عبد الكبير أكبوب إلى نقطتين مهمتين بخصوص القراءات لقرآنية:

الأولى تتجلى في أن كل قراءة تمثل آية مستقلة، مما يجعل رصيد التفسير وافر من خلال تعدد القراءات ، ومن هنا نستبين جلالة هذا العلم وضرورته القصوى عند محاولة نقل وترجمة ومعاني القرآن الكريم، فبتعدد القراءات تتعدد الترجمات والنقول.

والثانية كون القراءات مدخل المستشرقين، تارة بالطعن، وتارة باصطناع التعارض والخلافات وعدم الاستقرار على قراءة واحدة

 

.ثم أنتقل بعد ذلك إلى التعريف بجملة من المفاهيم والمصطلحات التي تشكل مفاتيح هذا العلم:

• فذكر تعريف القراءات بالاحالة على قول الزركشي: “هي اختلاف اللفظ الواحد المذكور في الحروف”.

ويقول الجزري: “هي علم بكيفية آداء كلمات القرآن الكريم”

• والقارئ – هو الذي جمع القران حفظا عن ظهر قلب وهو مبتدئ ومتوسط ومنته

فالمبتدئ – من افرد الى ثلاث روايات من القراءات

والمتوسط – من افرد الى اربع روايات او خمس روايات

والمنتهي – من عرف من القراءات اكثرها واشهرها

ويجب على القارئ ان يخلص نيته ثم يجد في قطع ما يقدر عليه من العلائق والعوائق المانعه عن مراده وليبادر في شبابه واوقات عمره للتحصيل ولا يغتر بخداع التسويف فإنه آفة الطالب ولا يستنكف عن أحد وجد عنده فائدة

• الرواية – مادة ( روى ) في اللغة لها معان عدة تدور معظم استعمالاتها حول الشرب والارتواء من الظمأ والتنعم، وتستعمل بمعان اخرى منها على سبيل المثال روى عليه الكذب اي كذب عليه وروى الحديث والشعر أي نقله وحمله

وفي معاجم اللغة فرق بين ( روى ريّا ) بمعنى الارتواء من الظمأ و ( روى رواية ) بمعنى حمل ونقل

ومن روى ريّا قولنا رويت للقوم : وأروى لهم وتسمى الدابة التي يحمل عليها الماء الراوية وسمي يوم الثامن من ذي الحجة يوم التروية لأنهم كانوا يرتوون من الماء لما بعده من ايام الحج في منى وعرفات، وعلى ذلك فالمعنى المقصود هنا – روى رواية اي حمل ونقل

وأما اصطلاحا : فهي ما ينسب للآخذ عن الامام إلى الراوي فيقال :

رواية حفص عن عاصم – رواية شعبه عن عاصم

و الراوي هو الناقل عن إمام من الأئمة العشرة فلقد كان لكل إمام تلاميذ كثر، اختير من أجودهم نقلا اثنان يرويان اي يقرئون الناس بما تلقوه من الإمام إما مشافهه أو بواسطة.

• والخلاف لغة: الاختلاف والمخالفة أن ينهج كل شخص طريقاً مغايراً للآخر في حاله أو في قوله.

و اصطلاحاً: يراد به مطلق المغايرة في القول أو الرأي أو الحالة أو الهيئة أو الموقف.

والخلاف نوعان: اختلاف تنوع واختلاف تضاد.

1- اختلاف التنوع على وجوه:

منه: ما يكون كل واحد من القولين أو الفعلين حقاً مشروعاً، وهو ما نجد في القراءات التي اختلف فيها الصحابة، حتى زجرهم عن الاختلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: ” كلاكما محسن” (رواه البخاري) كما قاله لعمر وهشام بن حكيم.

ومثله: الاختلاف في صيغ الأذان، والإقامة، وصلاة الخوف، وتكبيرات الجنازة وصفة الوتر، وغيرها وهذا سائغ ولا يحل التناوش بسببه.

ومنه: ما يكون كل من القولين هو في معنى القول الآخر ولكن العبارتين مختلفتان كما هو في ألفاظ الحدود وصيغ الأدلة والتعبير عن المسميات وتقسيم الأحكام.

ومنه: ما يكون المعنيان غيرين لكن لا يتنافيان فهذا قول صحيح وهذا قول صحيح، وإن لم يكن معنى أحدهما هو معنى الآخر، وهذا كثير في المنازعات جداً. ومن هذا والله أعلم اختلاف الصحابة في قوله عليه الصلاة والسلام : “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة” (البخاري ومسلم)

فمنهم من فهم الاستعجال وإذا حضرت الصلاة في الطريق سيصلي، ومنهم من فهم الاستعجال والصلاة في بني قريظة، ولو خرج الوقت ولم ينكر عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وهذا النوع من الاختلاف: كل واحد من المختلفين مصيب فيه بلا تردد، لكن الذم واقع على من بغى على الآخر فيه.

2- اختلاف التضاد:

واختلاف التضاد القولان فيه متضادان إما في الأصول وإما في الفروع.

وإذا كان في الأصول ويعني بها الاختلاف المذموم أحدهما محق موافق للشرع والآخر مبطل، فلا شك أنه لا يسوغ الخلاف فيه كخلاف أهل السنة مع أهل البدع.

قال تعالى: {فَذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} (يونس، 32)، وقال تعالى : {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُون} (يونس، 36).

وإذا كان في الفروع وكان عن اجتهاد فهو سائع وبشرط ألا يؤدي إلى العداوة والبغضاء والتنافر والتنابز والقطيعة.

قال الشاطبي رحمه الله: “…فكل مسألة حدثت في الإسلام فاختلف الناس فيها ولم يورث ذلك الاختلاف عداوة ولا بغضاء ولا فرقة علمنا أنها من مسائل الإسلام، وكل مسألة طرأت فأوجبت العداوة والتنافر والتنابز والقطيعة علمنا أنها ليست من مسائل أمر الدين في شيء، وأنها التي عناها رسول الله صلى الله عليه وسلم بتفسير الآية وهي قوله تعالى:{ إنّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}الأنعام: 159.

قال الشافعي في الأم: “الاختلاف وجهان فما كان لله فيه نص حكم أو لرسوله سنة أو للمسلمين فيه إجماع لم يسع أحدا أن يخالفه، وما لم يكن فيه واحد من هذين كان لأهل العلم الاجتهاد فيه بطلب الشبه بأحد هذه الوجوه الثلاثة، فإذا اجتهد من له أن يجتهد وبذل وسعه… وسعه أن يقول بشيء وغيره بخلافه”

• والوجه: لفظ يدل على الإبانة والظهور.

• والاختيار: لفظ يدل على الانتقاء والتفصيل واصطلاحا حرف يختاره القارئ من بين مقروءاته، والراوي من رواياته.

ثم أردف ذلك بتفصيل أقسام القراءات:

فمنا متواتر وآحاد وشاذ، فالمتواتر قراءات السبعة المشهورة، والآحاد قراءات الثلاثة التي هي تمام العشر، ويلحق بها قراءة الصحابة، والشاذ قراءات التابعين، و أحسن من تكلم في هذا النوع إمام القراء ابن الجزري. وقد عدد السيوطي أنواعها وبينها كما يلي:

الأول المتواتر: وهو ما نقله جمع لا يمكن تواطؤهم على الكذب، عن مثلهم إلى منتهاه، ومثاله: ما اتفقت الطرق في نقله عن السبعة، وهذا الغالب في حروف القرآن.

والثاني المشهور: وهو ما صح سنده، ولم يبلغ حد التواتر، ووافق العربية والرسم، واشتهر عند القراء، فلم يعدوه من الغلط، ولا من الشذوذ، ويقرأ به، ومثاله: ما اختلفت الطرق في نقله عن السبعة، فرواه بعض الرواة عنهم دون بعض، ومن أشهر ما صدق في ذلك التيسير للداني، وقصيدة الشاطبِي، وأوعية النشر في القراءات العشر، وتقريب النشر.

والثالث الآحاد : وهو ما صح سنده، وخالف الرسم أو العربية، أو لم يشتهر الاشتهار المذكور، ولا يقرأ به، ولا يجب اعتقاده، وقد عقد الترمذي في جامعه، والحاكم النيسابورِي في “مُسْتَدْرَكِه” لذلك بابا أخرجا فيه شيئا كثيرا صحيح الإسناد.

والرابع الشاذ: وهو ما لم يصح سنده، وفيه كتب مؤلفة، من ذلك قراءة {مَلَكَ يَوْمَ الدِّينِ}، بصيغة الماضي، ونصب “يوم”{إِيَّاكَ يُعْبَدُ} ببنائه للمفعول، والقراءة الشاذة هي التي فقدت شرطا من الشروط التي نص عليها ابن الجزري في أثناء حديثه عن أركان القراءة الصحيحة، وليست القراءة الشاذة هي التي لا تخضع للقراءات السبع كما يرى ابن مجاهد. وهذه القراءة الشاذة تتميز عن القراءة المشهورة من حيث السند.مع العلم أن الشاذة قد تكون في مستوى المشهورة من حيث الفصاحة، وقد تكون أفصح منها.

والخامس الموضوع: وهو ما نسب إلى قائله من غير أصل، كقراءة الخزاعي. والقراءة الموضوعة المختلقة، واصطلاحا قراءة نسبت إلى قائلها من غير سند مطلقا أو المنسوبة إلى قائلها افتراء .

والسادس الشبيه بالمدرج: يشبه المدرج من الحديث، وهو ما زيد في القراءات على وجه التفسير، كقراءة سعد بن أبي وقّاص: {وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ مِنْ أمٍّ}، وعلل ذلك ابن الجزري بقوله: ” وربما كانوا يدخلون التفسير في الكلام إيضاحا وبيانا، لأنهم محققون، لما تلقوه عن رسول الله قرآناً، فهم آمنون من الالتباس، وربما كان بعضهم يكتبه معه”.

شروط القراءة:

يشترط في من يريد أن يجمع بالقراءات، شروط أربعة، هي: “رعاية الوقف والابتداء، وحسن الأداء، وعدم التركيب، ورعاية الترتيب والتزام تقديم قارئ بعينه.

قال الإمام أبو الحسن السخاوِي: خلط هذه القراءات بعضها ببعض خطأ، ولا يجوز، وقال الإمام الجعبري، التركيب ممتنع في كلمة، وفي كلمتين إنْ تعلقت إحداهما بالأخرى، وإلا كره، وقال الإمام ابن الجزري: الصواب عندنا التفصيل، فإن كانت إحدى القراءتين مترتبة، فالمنع من ذلك منع تحريم، كمن يقرأ { فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٌ} برفعهما، أو بنصبهما، وشبهه مما لا تجيزه العربية، ولا يصح في اللغة… أما ما لم يكن كذلك، فإنه يفرق فيه بين مقام الرواية وغيرها، فإن قرأ بذلك على سبيل الرواية لم يجز من حيث إنه كذب الرواية… وإِن لم يكن على سبيل الرواية، بل سبيل القراءة والتلاوة، فإنه جائز صحيح مقبول، وإِن كان معيبا على أئمة القراءات من حيث وجه تساوي العلماء بالعوام، لا من وجه أن ذلك مكروه أو حرام، إذ كل من عند الله عز وجل، نزل به الروح الأمين على قلب سيد المرسلين سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام.

ضوابط القراءات:

تنضبط القراءات بثلاث ضوابط، غن خالفت إحداها خرجت إلى الشذوذ، وهي: ضابط السند/ضابط الرسم/ضابط العربية، وكل قراءة خالفت أحد هذه الشروط الثلاثة تعتد قراءة شاذة، وكل قراءة توفرت فيها الشروط الثلاثة تعد صحيحة.

الأحرف السبعة:

الاختلاف في إعراب الكلمة أو حركة إعرابها وبنائها بما لا يزيلها عن صورتها، وقد يكون الاختلاف في حركة الكلمة وإعرابها بما لا يزيلها عن معناها في الكتاب، أو يكون الاختلاف في الكلمة بما يزيل معناها وإعرابها: مثاله وجاءت سكرة “الحق بالموت”، أو يكون بالزيادة والنقصان كما قال تعالى: “وما عملت أيديهم ” قرئت وما عملته أيديهم.

وقيل هي لغات نزل بها القرآن (فبعضه بلغة قريش، هواز ، اليمن)

ومنهم من أوصل الخلاف حول الأحرف السبعة إلى 40قولا (ما قاله ابن قتيبة تبناه ابن الجزري في النشر ) .

القراءات السبع:

1- نافع (ت.199هـ) رواته قالون (ت.220ه) وورش (ت.187ه).

2- ابن كثير رواته البزي وقنبل.

3- أبو عمر البصري رواته الدوري والسوسي

4- عبد الله بن عامر الشامي رواته هشام وابن ذكوان.

5- عاصم الكوفي رواته شعبة وحفص .

6- حمزة (الزيات) رواته خلف و خلاد .

7- الكسائي رواته الليث الدوري .

القراءات العشر

8- أبو جعفر المدني رواته عيسى بن وردان، سليمان بن جناس.

9- يعقوب الحضرمي رواته رويس وروح.

10- خلف العاشر

القراءات الأربعة عشر :

11- ابن محيص رواته البزي ، أبي الحسن، ابن شنموث.

12- اليزيدي رواته: ابن الحكم وسليمان بن …

13- الحسن البصري رواته شجاع بن نصر الدلحني، الدوري.

14- الأعمش: رواته الحسن بن سعيد المطوعي، أبو الفرج، الشنبوذي.

اختصارات في علم القراءات:

• قرأ الشامي أو أهل الشام يعني ابن عامر

• البصريان أبو عمر، ويعقوب الحضرمي البصري.

• الكوفيان حمزة والكسائي.

• الكوفيون: حمزة والكسائي وخلف.

وفي الختام خلص فضيلة الدكتور عبد الكبير اكبوب، إلى تقرير النقطة الأولى التي افتتح بها محاضرته، وهي ضرورة مراعاة علم القراءات حين ترجمة معاني القرآن الكريم، وأن كل ترجمة لا تأخذ بعين الاعتبار معطيات هذا العلم تعتبر ترجمة فقيرة وغير أمينة.

 

مقالات ذات صله