تقرير عن أعمال الندوة الوطنية “جهود اللغويين والقراء في خدمة النص القرآني” تكريما للعلامة الدكتور التهامي الراجي الهاشمي

تقرير عن أعمال الندوة الوطنية “جهود اللغويين والقراء في خدمة النص القرآني” تكريما للعلامة الدكتور التهامي الراجي الهاشمي، بكلية الآداب والعلوم الإنسانية مراكش

يومي 04/05 فبراير 2015

نظم مختبر “الترجمة وتكامل المعارف” و”بنية البحث في اللغة العربية أوصاف وإشكالات” بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بمراكش، بتنسيق مع كل من  “فريق البحث في التعليم والترجمة” بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بأكادير، وكلية اللغة العربية بمراكش يومي 04/05 فبراير 2015 ندوة وطنية في موضوع: “جهود اللغويين والقراء في خدمة النص القرآني” تكريما للعلامة الدكتور التهامي الراجي الهاشمي، بقاعة المحاضرات لكلية الآداب والعلوم الإنسانية بمراكش.

تضمن برنامج الندوة الوطنية المخصصة لتكريم العلامة التهامي الراجي الهاشمي جلسات علمية ومشاركات شعرية غنية، كما عرفت هذه الندوة حضور عدد مهم من الضيوف والمتتبعين والمتخصصين في مجال القراءات، وتوجت بشكر كل المسهمين في إنجاحها وتقديم الدرع التكريمي لفضيلة الدكتور الراجي الهاشمي.

الجلسة الافتتاحية

ترأس هذه الجلسة السيد عميد كلية اللغة العربية الدكتور محمد الأزهري، وافتتحت الندوة بآيات بينات من القرآن الكريم، تلاها كل من الأستاذ أبو الرضوان والقارئ ميلود لحمر.

  • كلمة السيدة العميدة: قرأ هذه الكلمة الأستاذ سعيد بوجروف نيابة عن السيدة العميدة وداد التباع، وأشارت هذه الكلمة إلى القيمة العلمية الكبيرة  لمثل هذا اللقاء من حيث موضوعه الذي يجمع بين حقلين علميين، وهما حقل الدراسات اللغوية وحقل القراءات القرآنية. ومن شأن هذه الندوة أن تكشف النقاب عن الخلفيات المعرفية والآليات المنهجية والنقدية المشتركة بين العلمين. ومن شأن الطلبة الباحثين الاستفادة منها بإغناء معارفهم وتوسيع آفاقهم البحثية، وما يشكل قيمة مضافة لهذا الجمع هذا هو كونه يكرم أستاذا باحثا وشيخا متميزا في مجال الدراسات القرآنية، هو فضيلة الدكتور التهامي الراجي الهاشمي. وفي الختام تقدمت السيدة العميدة بالشكر والتقدير لكل الهيئات المسهمة في تنظيم هذه الندوة.
  • كلمة “بنية البحث في اللغة العربية أوصاف وإشكالات” في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بمراكش، قدمها الدكتور مولاي مصطفى أبو حازم منسق البنية، وبعد شكره للحضور والسادة الأساتذة والطلبة، نوه بهذه الالتفاتة القيمة لعلم بارز من أعلام هذا الوطن، ورمز من رموز العلم والعطاء الخالص، ألا وهو الشيخ الجليل الدكتور التهامي الراجي الهاشمي. وتعد هذه الندوة احتفاء بتكريمه وإشادة بسمو مقامه واعترافا بما بذله من جهود، وإن مرام هذا التكريم أن نستحضر بين يديه مردود علمه، ونجاهر بما نكنه له في الأعماق من محبة وتعلق بسجاياه. وختم بشكر كل من أسهم في تنظيم هذه الندوة العلمية.
  • كلمة “فريق البحث في التعليم والترجمة” في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في أكادير قدمها الدكتور أحمد كروم وأعلن من خلالها أن كل أعضاء فريق البحث فخورون بهذه المشاركة وأجود مقاصد هذا اللقاء العلمي نشر ثقافة الاعتراف بجهود العلماء، والاستفادة من تجاربهم العلمية الرصينة، والتبرك بأعمالهم الخالدة التي قدموها للأجيال اللاحقة. وختم بالدعاء للعلامة الدكتور التهامي الراجي الهاشمي.
  • كلمة “مختبر الترجمة وتكامل المعارف” في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في مراكش قدمها الدكتور عبد الحميد زاهيد الذي حمد الله على هذا الجمع المبارك الذي كرم فيه شيخ متميز بعطائه، ملم بعلوم اللغة العربية ومتفوق في اللغات الأجنبية، هو أول من أوطن اللسانيات في بلادنا، ولقد تخرج على يديه في علم القراءات عدد غفير ممن شغلوا المناصب العليا. وختم بشكر كل من أسهم في هذا اللقاء، وتفضل بالشكر الجزيل للحضور وكافة الطلبة وخص منهم طلبة مختبر الترجمة وتكامل المعارف.

المحاضرة الافتتاحية:  لفضيلة الشيخ الدكتور عبد الهادي حميتو

اختار الدكتور حميتو لمحاضرته عنوان الندوة نفسها “جهود اللغويين والقراء في خدمة النص القرآني”، وقد افتتح كلامه بالإشارة إلى كون القرآن، النص المحوري الذي دارت حوله الجهود الشرعية واللغوية والفكرية في الثقافة العربية، كما أن القراءات القرآنية هي الإطار الذي استوعب لغات العرب، وهذا من وجوه إعجازه وتفرده، وعلى الرغم من اشتهار عدد من القراءات، السبع والعشر والأربعة عشْرة، إلا أن القراءات القرآنية في الحقيقة أوسع من ذلك، حيث تبلغ ـ مثلا ـ في كتاب “سوق العروس” أزيد من ألفي رواية وطريق، وفي غيره إلى سبعة آلاف، بيدا أنها كلها تنبع من مشكاة واحدة، وتنصب في مسار واحد.

ومن مظاهر تداخل جهود اللغويين والقراء في خدمة القرآن، كون معظم اللغويين من القراء الكبار، إلا أنه تغلب عليهم النسبة الصناعية، فقيل لغوي أو قارئ، ومنهم الخليل وسيبويه وأبو عمرو بن العلاء.

وقد حث القرآن على التذكر والاتعاظ بآياته ولا سبيل إلى التذكر إلا بالفهم ولا سبيل إلى الفهم إلا باللغة، وكان الإمام مالك رحمه الله يقول: لا أوتى برجل جاهل باللغة يفسر القرآن إلا جعلته نكالا، كما كان القراء أول من فطن إلى وجوب تدوين اللغة وحفظها، فقد نسب إلى عبد الرحمن بن هرمز أنه أول من وضع النحو وهو من شيوخ القراء، وليس غريبا أن يظهر قبل كتاب سيبويه، عيسى بن عمر الثقفي من كبار القراء وشيخ سيبويه ونافع والخليل وله في النحو كتابان: “الجامع” و”الكامل”؛ فالقراء كانوا قيّمين على اللغة وعلى معاني القرآن كما وردت بذلك الأخبار، لأن اللغة العربية كانت ركنا من أركان القراءة منذ البداية، بالإضافة إلى صحة الرواية وموافقة الرسم.

واعتبر الشيخ المحاضر الدكتور حميتو أن فطنة القدماء إلى حاجة القارئ إلى اللغة، هي العلة في ظهور كتب التوجيه لتوجيه أوجه القراءات، ومن أوائلها كتاب “الحجة” للفارسي، ولا شك أن العربية هي معيار القراءة، والقراءة لباب العربية ووعاؤها، ومظاهر التداخل بينهما كثيرة، وقد صدق أبو حيان في قوله: “من أراد علم الكتاب فعليه بالكتاب”، أي من أراد علم القرآن، فعليه بكتاب سيبويه. وبهذا ختم الشيخ محاضرته الحافلة بعيون الأخبار القيمة.

الجلسة العلمية الأولى

ترأس هذه الجلسة الدكتور خالد الساقي مدير معهد محمد السادس للقرآن الكريم، وقد تضمنت ثلاث مداخلات:

 المداخلة الأولى كانت بعنوان: “القواعد العلمية والمنهجية عند الإمام ابن الجزري” للأستاذ الدكتور أحمد بزوي من كلية الآداب والعلوم الإنسانية في الجديدة. اعتبر الأستاذ أحمد بزوي في بداية مداخلته أن الدراسات المرتبطة بالقرآن تكرر نفسها منهجيا؛ ومن هذا استخلص الأستاذ المحاضر أن هذا الإشكال إشكال منهجي في الدرجة الأولى، مشيرا في الوقت نفسه إلى تعدد اللغات. إن مناهج البحث العلمي – يقول الأستاذ المحاضر- ندرسها بطريقة نظرية وكأنها منفصلة عن الحياة، على العكس من ذلك فالقدماء يدرسون المنهج مرتبطا بالحياة. ثم انتقل الأستاذ إلى الحديث عن مجموعة من الضوابط العلمية التي استخلصها من كتاب ابن الجزري، فأشار إلى أنها تبلغ ستمائة قاعدة علمية، وبالتالي تصعب الإحاطة بها كاملة. وبالنظر إلى ذلك ركز الأستاذ المحاضر على قاعدة استقراء المعلومات عند ابن الجزري.

المداخلة الثانية: “القراءات الشاذة بين مخالفة الرسم وموافقته “للأستاذ الدكتور عبد الهادي دحاني من كلية الآداب والعلوم الإنسانية في الجديدة. بدأ الأستاذ المتدخل حديثه بالإفصاح عن المنهج الذي اعتمده في دراسته، وهو الأخذ بالرسم الأكثر موافقة لقواعد اللغة العربية. المأخوذ عن مكي بن أبي طالب، والذي  قسم القراءات إلى ثلاثة أقسام:

1. قسم  يقرأ به : وهو الذي اجتمعت  فيه مواصفات ثلاث:

أن ينزع بالثقة إلى رسول  الله عليه الصلاة والسلام.

أن يكون له وجه في العربية الشاملة التي نزل بها القرآن.

أن يوافق خط المصحف.

2 . قسم يقرأ به ولا يقبل: وهو ما صح نقله بالآحاد وهو الذي يخالف خط المصحف.

3: قسم لا يقرأ به ولا يقبل: وهو المتروك.

وأردف الأستاذ المتدخل أن عثمان بن عفان هو الذي جمع المصاحف ونسخها، بعد أن كانت بحوزة حفصة بنت عمر بن الخطاب، وهو ما أجمع عليه المسلمون، فاسقط كل قراءة مخالفة للمصحف.

وتحدث الأستاذ المتدخل عن باقي المناهج التي لا تصح القراءة بها، واستشهد بقولة للطبري: “إن اختلاف القراء فيما اختلفوا فيه من الألفاظ كل اختلاف “، ومعنى ذلك أن ما اختلف فيه القراء لا يخرج عن حرف واحد. ومثل لهذا بنماذج تطبيقية مثل الآية الأخيرة من سورة الفاتحة:{غير المغضوب عليهم وغير الضالين}، فهي قراءة جائزة، ولكنها تركت بطريقة تلقائية وتدريجية.

 المداخلة الثالثة: “ضوابط التوجيه اللغوي والبلاغي للقراءات القرآنية” للأستاذ عبد الواحد الصمدي من معهد محمد السادس للقراءات والدراسات القرآنية بالرباط.

استهل الأستاذ مداخلته بتحديد الدلالتين اللغوية والاصطلاحية “للتوجيه اللغوي”، محددا مكانته عند علماء البلاغة وعلماء القراءات وعلم العروض. وأنه ورد بمعنى التلقين والبحث والمقابلة في كل شيء، فهو علم يبحث عن معاني القراءات والكشف عن وجودها في اللغة العربية.

وتطرق الباحث في السياق نفسه إلى أهمية “التوجيه اللغوي” في المكتبة العربية الإسلامية؛ فالسيوطي وابن عقيل والإمام الزركشي وغيرهم يطلقون على هذا العلم “توجيه القراءات”، أما المتقدمون فيطلقون عليه “إعراب القراءات” أو “وجوه القراءات” إلا أن مصطلح “التوجيه” هو الذي حظي بالقبول. لهذا استخلص الباحث أن هذا المفهوم عرف تعددا في التحديد المصطلحي بين علماء القراءات وغيرهم.

والتوجيه اللغوي في تقدير الباحث يخضع لضوابط صوتية وتركيبية ودلالية، وقد حصره في ثلاثة أنواع:

1-                    التوجيه الأداتي

2-                   التوجيه الدلالي

3-                   التوجيه المصحفي

وقد مثل لها بنماذج من بطون أمهات هذا الفن. وعرض لضوابطه التي استدل بها العلماء في التوجيه، في النقاط الآتية:

1-السماع والنقل: حيث يستشهدون بما لم يكن فيه خلاف

2-القراءات القرآنية: وذلك بتوجيه قراءة الآيات القرآنية حسب القراءات المعروفة في هذا السياق.

3-الحديث النبوي الشريف: لأنه حجة في باب القراءات، وما لاحظه الباحث في هذا الضابط هو قلة الاستشهاد به وهذا أمر يرجع في نظره إلى اختلاف النحاة في الاستشهاد بالحديث النبوي.

4-الشعر العربي: وقد لجأوا إليه في توجيه مشكل القراءات في باب القراءات المتعددة.

5-أقوال العرب وأمثالهم: وقد استدل بها علماء التوجيه في باب قراءة الآيات القرآنية.

6-مراعاة السياق.

7-القياس

8-مراعاة الأصل.

وختم الباحث مداخلته بخلاصة مفادها أن علماء التوجيه اللغوي اعتمدوا على عدة ضوابط ممثلة في مختلف آليات الاستشهاد التي استعانوا بها في ضبط علم القراءات خدمة للنص القرآني.

الجلسة العلمية الثانية

كانت هذه الجلسة مساء اليوم الأول برئاسة الدكتور جميل مبارك من كلية الشريعة بأيت ملول في بأكادير، وتضمنت هذه الجلسة ثلاث مداخلات علمية:

المداخلة الأولى: “علم معاني القرآن ومنظومته القرآن” للأستاذ الدكتور مولاي مصطفى أبو حازم من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بمراكش.

استهل الأستاذ المتدخل كلمته بالتذكير بأن ما كتب عن علم معاني القرآن كثير في العقود الثلاثة الأخيرة، أما قبلها من العصر الحديث فلم يكتب عنه إلا النزر القليل، وعلى الرغم من ذلك فإنه مازال يحتاج إلى مزيد من الإغناء، ومن أجل ذلك بث أسئلة  وصاغ إشكالات حول الطبيعة المعرفية لمعاني القرآن، وتساءل عن حد علم معاني القرآن وموضوعه…، منبها إلى أن تأسيس العلم يرجع إلى القرون الهجرية الأولى.

  وأكد الأستاذ المتدخل أن منطلقه في البحث سؤال مركزي هو: ما الحقل المعرفي لعلم معاني القرآن؟ وقصد الحسم في الجواب الذي حاولت دراسات كثيرة الإجابة عنه لكنها ظلت متلكئة في الحسم، ومن ثمة فالعلم في نظر الأستاذ ليس هو علم تفسير القرآن، ولا يتتبع كلمات القرآن كلها كلمة فكلمة، ولا يتدخل إلا حين يواجه الباحث اللغوي أسئلة متعلقة بلغة النص القرآني لفظا وكلاما مركبا من حيث الغموض الناتج عن الاشتراك الدلالي والخروج عن الاستعمال العادي لألفاظ القرآن.. ولا يعد – في نظر الأستاذ المحاضر كل قارئ للقرآن باحثا لغويا، موضحا أن الغموض المذكور ليس متعلقا بلغة القرآن متعلق بقارئه. وينبغي- في رأي الأستاذ – الحسم في أن علم معاني القرآن يختلف عن علم غريب القرآن وعن مشكل القرآن وعن إعجاز القرآن وعن إعراب القرآن وتوجيه القراءات..  مع أنها تقع كلها في دائرة علم معاني القرآن وتوجد مبثوثة في كتب معاني القرآن وتتعاون بينها في بيان المعنى ونصاعة البيان. ويظل علم معاني القرآن مستثمرا على المستويين التطبيقي والمعرفي، ولذلك فإن تلك الفروع اللغوية القرآنية لا ترتاد الآفاق المعرفية التحليلية التي تحتلها المعرفة النحوية في بناء علم معاني القرآن.

ويحدد الأستاذ المتدخل مجمل إجابات الدارسين عن أسئلة المجال المعرفي الذي ينتمي إليه علم معاني القرآن، وتعريفه بأنه إجابة عما كان يدور من أسئلة حول النص القرآني لفظا وكلاما مركبا، خصوصا الغامض والمشكل منهما، وعندئذ فعلم معاني القرآن يعنى بما يشكل في القرآن وما يحتاج إلى بعض العناء في فهمه. وهذا التحديد في نظر الأستاذ المتدخل مفهوم لا يخلو من أوجه الصواب والصحة إلا أنه واسع وغير مستوعب، لأنه لا يعين بوضوح الممارسة العلمية التي يختص بها علم معاني القرآن ويتميز بها عن سائر العلوم المتداخلة معه والمساندة له في حقله، ولأن الممارسات التنظيرية والتطبيقية لا تنحصر ولا تقتصر فيما قيل. ويرى الأستاذ المتدخل أن تحديد المجال المعرفي لعلم معاني القرآن ليس في جوهره مسألة عبارة أو صياغة قد تحظى بنصيب أقل أو أكثر من الصواب أو الخطأ، إنه في الأساس مسألة تصورات وتمثلات واستيعاب معطيات موضوعية ومعرفية ينبغي بيان سياقها المعرفي وعناصرها قبل النظر في لفظ عبارتها المصوغة. وقد اختار منها زاوية تمكن من تأطير علم معاني القرآن داخل سياق خاص لتكوّن علوم اللغة في تاريخ الإسلام، ومن أبرز هذه المحددات والسياقات: سياق البيئة المعرفية العامة التي نشأ فيها العلم، ويؤطرها شعار خدمة لغة القرآن الكريم، وهناك سياق خاص بتكون علوم اللغة وله علاقة بالسياق الأول، وأقوى مظاهره خلال القرن الهجري الثاني هو الحيوية الابتكارية التي نشأ عنها عدد من علوم اللغة الموجة نحو مقصد مضبوط هو خدمة لغة القرآن الكريم. وذكر أنه وضع لائحة لهذه العلوم تبلغ العشرين علما وكلها مسماة، ونشأت كلها في القرن الهجري الثاني، ومن ثمة يعد علم معاني القرآن- في نظر الأستاذ المتدخل – بمثابة المجال المعرفي الذي انتقته الجهود التنظيرية والتطبيقية التي بذلها اللغويون المسلمون في مدارسة القرآن. إنها المعرفة التي لم يكن للعرب والمسلمين عهد بها قبل اكتشاف أنساق اللغة العربية وبنيتها وتقديم الأوصاف المعادلة لها، ذلك أن علم معاني القرآن قد انبثق من صميم الأنساق المكتشفة وإجراءات التعرف على بنياتها وأوصافها اللغوية. وختم الأستاذ المتدخل كلمته بذكر تلك العلوم التي بينها من قبل ووضح صلتها بالقرآن الكريم من حيث الخصائص والمميزات.

المداخلة الثانية: “الصيغ الصرفية في القراءات القرآنية- مقاربات لسانية” للأستاذة الدكتورة خديجة إيكر من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجديدة.

أكدت الأستاذة خديجة إيكر في البداية أهمية هذه الندوة التي تنصب في خدمة النص القرآني، عبر إبراز العلاقة الوطيدة بين اللغة العربية والقرآن الكريم. فالقرآن الكريم يمثل نظاماً لغويّاً معجزاً، يجب العمل على مقاربته مقاربة لغوية لتحقيق التواصل بين المسلمين والله سبحانه وتعالى. غير أن هذا التواصل لن ينجح إلاّ بالوقوف على المراد الذي ضمّنه الله كتابه التزاما بقوله وأوامره وبتدبر القرآن وإعمال النظر فيه، حتى يرقى هذا التدبر والفهم إلى الواجب الشرعي.

وأشارت الأستاذة إيكر إلى أن الدرس اللغوي العربي مدين للقرآن الكريم بالنشأة الوجود والتطور، فكانت التفاسير الأولى للقرآن الكريم ذات طابع لغوي صرف، فقد ركّز المفسرون الأوائل على الجانب اللغوي من صوت وصرف ونحو، وهكذا تم التقعيد للغة العربية وتم وضع آليات لفهم القرآن الكريم بمستوياته المتعددة وذلك عبر لبنات اللغة العربية: الصوت، والصرف، والتركيب والدلالة.

وتأتي مداخلة الدكتورة خديجة إيكر لتنصبّ على البنية الصرفية في القرآن الكريم، باعتبار أن الصرف يعنى بتشكيل الكلمة وبنائها، فقد ركزت الأستاذة على الاختلافات والخلافات التي تنتج من الناحية الصرفية في القراءات القرآنية، وتكون هذه الخلافات إما على مستوى الاشتقاق، أو على مستوى تجرد الاسم وزيادته أو على مستوى الإفراد والتثنية والجمع.

وذكرت الأستاذة المتدخلة في مستوى الاشتقاق مجموعة من الأمثلة نورد منها: قراءة الجمهور للآية 4 من سورة الفاتحة ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، فمالك في هذه القراءة جاءت بصيغة اسم الفاعل وهي صيغة متغيرة، بينما قرأ أُبيّ بن كعب الآية نفسها بـ﴿مَليكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، “فمليك” على وزن فعيل، وقرأ بعض القراء الآية نفسها ﴿مَلْكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، فملك صفة مشبهة صيغتها الثبوت. وبعد عرضها لعدد مهم من الأمثلة، أكدت الأستاذة خديجة إيكر أن القراءات تختلف في الأداة والصرف والتركيب لتتفق في الدلالة.

وفي الختام، أكدت الأستاذة المتدخلة على ضرورة أن يولي الدارسون أهمية للشق اللغوي في القرآن الكريم لأنه مفتاح تدبر كتاب الله عز جلاله فدون التواصل اللغوي المبني على اللبنات الأربع للغة العربية لن تكون هناك علاقة دائمة بيننا وبين القرآن الكريم.

المداخلة الثالثة: “الدرس القرآني واللغوي: النص المعرفي نموذجا” للأستاذ الدكتور إبراهيم عقيلي من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجديدة.

بعد شكر جميع الجهات المنظمة لهذه الندوة تقدم الدكتور إبراهيم عقيلي بشرح ما يقصده بالدرس المعرفي والذي يخص به كل ما يتعلق بوظائف النص؛ إذ إن معرفة النص القرآني عموما واللغوي خصوصا تقتضي الإلمام بكل جوانب لسان العرب وخصائصه أي التأويل اللغوي والدلالي، هذا الأخير الذي يعنى بالفهم والتدبر والوقوف على الصيغ والدلالات للإحاطة بكل ما هو موجود في كتاب الله عز وجل.

وأقر الدكتور إبراهيم  عقيلي بأن إدراك أسرار القرآن وفهمها رهين بشرط الإحاطة بجملة من العلوم التي تسهم في استنباط أحكام الكتاب، وتضمن للنصوص الدينية آفاق للمعنى ووجوه من الدلالة للتدبر والتفكر، وقد تعقب الدكتور إبراهيم عقيلي كتاب ابن جني” المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها” الذي تناول قراءة النصوص القرآنية معتمدا على التأويل بشقيه اللغوي والدلالي، وقد وقف الدكتور إبراهيم عقيلي على جملة من النصوص التي وردت في الكتاب، لعل أبرزها قراءة الآية ﴿وعُلِمَ آدم الأسماء كٌلها﴾ بطرق مختلفة بين الجماعة التي قرأتها بـ﴿وعَلمَ آدم الأسماء كلها﴾ ويزيد البربري الذي قرأها ب﴿عُلِمَ آدمُ الأسماء كلها﴾ وقد ذهب ابن جني في تفسير هذه القراءة إلى أن الغرض هو: قد عرفها وعلمها أي “عَلمَ”؛ حيث إن الله وهو الفاعل خص بهذا العلم أب البشر عليه السلام دون غيره، أضف إلى هذا أن “العلم” يرجع إلى أصل واحد يتميز به عن غيره؛ أما قراءة “وعُلمَ” فجاءت مبنية للمجهول للدلالة على أن آدم عليه السلام لم يكن ليتعلم اللغة أو الأسماء كلها بتواضع من نفسه وإنما بتوفيق من الله وهو ما يؤكده الزهري أيضا.

     وإذا أخذنا بمبدأ الترادف اللغوي ف “يُعلمُ” هي يُعرفُ أي أن الله عارف وعالم على سبيل التجاوز الواسع للفظين، وإلا فالعلم علامة حدية مقطوعة و المعرفة متطورة ومتتابعة، لذا فهو علم آدم الأسماء؛ والعلم في الآية هنا هو رؤية خصَ الله  بها آدم، ولعل هذا ما غاب عن ابن جني الذي رد العلم  في الآية إلى المعرفة.

وبعد الفراغ من تحليل هذه القراءة انطلق الدكتور إبراهيم عقيلي إلى قراءة آية ﴿يَسمعون كَلامَ الله﴾ التي قرأتها الجماعة ﴿يسمعون كًلاَمَ الله﴾ وقرأها الأعمش ﴿يسمعون كلاِمَ الله﴾؛ والمعلوم أن الكلمة تدل على المعاني المفردة والتي يسهل تحريفها، ولما كان السياق في الآية يدل على التحريف لقوله تعالى: “ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون”، فقد جاز لنا قراءة الآية بلفظ “كَلاِم الله” وليس كما قرأها ابن جني.

أما المثال الثالث الذي تناوله الدكتور إبراهيم عقيلي بالتحليل والتأويل في القراءة، فـيتعلق بالآية ﴿وأصبح فؤاد أمِّ موسى فَرغا﴾؛ والتي قرأتها الجماعة ب﴿وأصبح  فؤاد أمِّ موسي فَرِغا﴾ وقرأها الحسن وأبو الهذيل وغيرهما ب﴿أصبح  فؤاد أمِّ موسى فزعا﴾، وفي قراءة ابن عباس”قرعا”، وحكى “قٌطرب” استنادا إلى قراءة بعض أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ب” فِرْغا”، وقد أقر
أبو الفتح ابن جني بأن معنى كل من الألفاظ يختلف، إذ إن لفظ “فزعا” معناه قلقا، و”قرعا” يدل على شيء فارغ أو منكشف أما “فرغا” فمعناه هدرا وباطلا ، في حين يقصد ب” فارغا” خالي من الحزن، وقد أورد الدكتور إبراهيم عقيلي في مداخلته وجهة وجهة نظر ابن عباس الذي قال إن:”فارغا” أي خاليا من كل شيء إلا من ذكر موسى، ليقر بأن هذا التفسير هو الصواب مقارنة بتفسير ابن جني الذي لا يتوافق مع الرواية القرائية أو السياق، إذا إن الرواية دلت دلالة واضحة أن فؤاد أمِّ موسى أصابه الخوف الشديد والهلع الذي لم تستطع كتمانه.

الجلسة العلمية الثالثة

ترأسها الدكتور محمد أديوان من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، وتضمنت هذه الجلسة ثلاث مداخلات علمية:

المداخلة الأولى: “ترجمة القرآن الكريم والقراءات: سؤال الإمكان وسؤال العلاقة” للأستاذ الدكتور خالد الساقي مدير معهد محمد السادس للقراءات القرآنية بالرباط.

تناول الدكتور الساقي في عرضه مسألة القراءات من منظور الترجمة ثم من منظور اللغات الأجنبية، ويقع هذا العرض في جزأين: جزء نظري وجزء تطبيقي. ويمكن أن نلخص الجانب النظري في النقاط الآتية:

  1. الاختلافات بين القراءات لا تؤثر في المعنى، فهي لا تؤثر في الترجمة.
  2. بعض البنيات قد تختلف ولا تؤثر في المعنى، فهي إذن لا تؤثر في الترجمة.
  3. اختلاف البنية في القراءة نفسها يؤثر في المعنى، وبالتالي فهو يؤثر في الترجمة.

بصرف النظر عن صنف العنصر المغير للمعنى: التأثير في الترجمة يدور مع التأثير في المعنى وجودا وعدما.

أما الجانب التطبيقي فقد أثار فيه الأستاذ المتدخل الإشكال الآتي: ما درجة احترام المترجمين للقراءات / الروايات بصفة عامة؟ ولتوضيح هذا الإشكال ركز في هذا الجزء على مقارنة كل من ترجمة Ould Bbah  وترجمة Chiadmi  وترجمة Yusuf Ali وخلص فيه إلى أن القراءة / الرواية لا تُحترم في الترجمة في كثير من الأحيان، ولا يُهتم كثيرا بجغرافية القراءات.

وخلص المتدخل في الختام إلى أنه لابد للمترجم من أن يكون عالما بالقراءات / الروايات
أو أن يستعين بأهل الاختصاص. فإذا كان ذلك كذلك فعليه:

  1. أن يجتهد في مطابقة الترجمة للقراءة / الرواية.
  2. أن يشير في الهامش إلى تنوع القراءات / الروايات.
  3. أن يعهد بالترجمة إلى من يراقبها قبل طبعها ونشرها.

المداخلة الثانية: “عناية سيبويه بالقراءات القرآنية من خلال (الكتاب)” للأستاذ الدكتور
محمد جميل مبارك من كلية الشريعة بآيت ملول.

 افتتح الدكتور جميل مداخلته بالإشارة إلى أثر اللغويين في فهم معاني القرآن الكريم ، فالقراءات علم من علوم القرآن، مبينا أن الضعف في لغة الضاد يؤدي إلى ضعف في فهم النص القرآني، ونتيجته الضعف في الإيمان.

انطلاقا من هذا التصور بين الأستاذ الباحث الأهمية البالغة التي حظي بها النص القرآني في الثقافة العربية الإسلامية على مستوى الدراسة والبحث. ونظرا لما يحويه هذا الوعاء اللغوي من خصائص تميزه بوصفه نصا مقدسا نزل بلسان عربي مبين، فلابد من إعادة النظر في العلائق القائمة بين العلوم التي تنظر إلى هذا النص  من زوايا متعددة.

وتبعا لذلك رأى الباحث المتدخل أن سيبويه يعد من المؤسسين لفكرة فهم القرآن الكريم. وترجع عنايته بالقراءات القرآنية إلى عنايته بالنص القرآني، فكان يتخذه مصدرا من مصادر الاستشهاد مستندا إلى عدة روافد علمية معرفية أهمها:

– ما ثقفه من شيوخه.

– وثقافته التي تشبعها من العلم بالحديث والمحدثين.

ذلك أن علم القراءات لا يحتاج في نظر الأستاذ المتدخل إلى اجتهاد، وإنما يستند إلى أصوله النظرية والمعرفية المأثورة. ومن ثمة سعى الباحث المتدخل إلى الإجابة عن السؤال الإشكالي التالي: ما حجم القراءات الواردة في “الكتاب” لسيبويه؟

وكشف الباحث المتدخل أن الناظر إلى هذا الجانب سيطالع أن القراءات في “الكتاب” ليست غزيرة إذ لا يذكر منها إلا ما يفرضه داعي الاستشهاد، لهذا اتسم منهجه في هذا الباب باعتبار استشهاده بالقراءات فرعا من استشهاده بالقرآن.

والثابت عند الباحث المتدخل أن الاستشهاد بالقرآن مظهر من مظاهر الوقوف على تعدد القراءات، وهو ما حذا بالباحث المتدخل إلى حصر معظم العبارات الدالة على هذا التعدد فيما يلي:

1-ذكر القراءات دون جزم أو تحقيق.2-تسمية القارئ 3-إبهام القارئ.4-استعمال عبارات بلغنا 5-نسبة أهل الجهة 6- افتراض القراءة 7-استعمال السماع 8-استعمال التحديث.9-استعمال الزعم 10-استعمال “قال” بمعنى “قرأ”.

وقد تبين للباحث المتدخل في ختام ورقته العلمية أن “الكتاب” لسيبويه يعد معلمة تاريخية أسهمت في جانب الدراسات القرآنية في مناقشة قضايا العلم بتعدد القراءات، والتي ميزت جهود اللغويين والقراء في خدمة النص القرآني.

أما المداخلة الثالثة:”التكريم والوفاء لأستاذنا الدكتور التهامي الراجي شيخ القراء” للأستاذ الدكتور إبراهيم الوافي من كلية الشريعة بأيت ملول. فقد افتتحها صاحبها بتقديم الشكر لعميدة كلية الآداب والعلوم الإنسانية ولجميع أطر شعبة اللغة العربية ولباقي الجهات المسهمة في تكريم الدكتور التهامي الراجي، وقد قسم الدكتور الوافي مداخلته إلى قسمين؛ تناول في القسم الأول معاني “التكريم والوفاء” التي تدل حسب قوله، على تعداد ميمون المناقب وجميل الخصال وكريم الفعال، فالتكريم عهدة من الله عز وجل، ومنهج رباني مقرر في كتابه بحيث ذكره الله عز وجل بصيغه الأصلية وبمعانيه التحفيزية، وكلها دالة على إخبار ربنا عز وجل عن رغبته في بدل التكريم لأهله تبعا لفضلهم ومآثرهم وإشعاعهم وتأثيرهم. وأساس التكريم العام، حسب قول المتدخل، ما جاء في حق بني آدم في قوله تعالى: {ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا} [الآية 70 من سورة الإسراء].

وتكريم الله عز وجل بني آدم درجات؛ فمنه تكريم الله عز وجل جميع الأنبياء والمرسلين، الذين خصَّ منهم سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام بثناء خاص، في سياقات ومناسبات ومقامات قرآنية متعددة، منها قوله تعالى: {أيها النبي إن أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا} الآية، وكذلك قوله تعالى: {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبئين} الآية، ومن بين وجوه التكريم التي خص الله بها نبيه محمد عليه السلام دوام رسالته وخلودها وشفاعته للناس يوم المحشر، ولم يقف التكريم عند الأنبياء فقط بل شمل أيضا حوارييهم وأصحابهم وأممهم.

وقد توصل الدكتور الوافي إلى أن التكريم في القرآن الكريم جاء في مراتب أربع:

المرتبة الأولى: وهي تكريم الخالق لذاته؛ أي تكريم الخالق للخالق، والثانية: تكريم الخالق للخلق، والثالثة: تكريم الخلق للخالق؛ وذلك من خلال إتباع أوامره وتجنب نواهيه، والرابعة: تتعلق بتكريم الخلق للخلق، وهذا هو الذي أشار إليه القرآن بالوعد. وقد استشهد المتدخل لكل مرتبة بآيات من الذكر الحكيم.

أما القسم الثاني من المداخلة فكانت عبارة عن شهادة في حق المحتفى به الدكتور التهامي الراجي، الذي يعد، حسب قول الدكتور الوافي، شخصية عملية راكمت تجربة هائلة في المجال الإداري والتربوي والبحث العلمي لمدة تزيد عن ثلثي قرن من الزمن، ما خول لهذه الشخصية اكتساب مهارات متعددة وفريدة منها على سبيل المثال؛ قدرته على التواصل والتأثير في الناس وسرعته في التقويم والحكم والتحكيم والتأطير، هذا بالإضافة إلى إبداعاته المختلفة في مجال اللسانيات واللغويات وكذا في مجال القراءات فحق له أن يوصف بشيخ القراء. وفي الأخير دعا الدكتور الوافي للمحتفى به بالصحة والعافية وطول العمر، كما شكر للحضور تحمله عناء السفر للمشاركة في هذا التكريم.

اليوم الثاني من الندوة

 الجلسة الرابعة

ترأس هذه الجلسة الدكتور أحمد بزوي الضاوي من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجديدة، وتضمنت مداخلتين علميتين:

المداخلة الأولى: “الدراسات اللغوية المقارنة وأثرها في منهج الدكتور التهامي الراجي” للأستاذ الدكتور أحمد كروم من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بأكادير.

استهل الدكتور أحمد كروم مداخلته ببث السؤال الآتي: هل كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن على عدة وجوه قبل حدوث هذه الأحاديث التي تحكي عن الاختلاف في القراءات؟ وهل الاختلاف في القراءات  هو نتيجة اختلاف اللهجات العربية؟

ويعقب الدكتور أحمد كروم بأن الدكتور التهامي الراجي استطاع الإجابة عن هذه الأسئلة انطلاقا من أبحاث استمرت سنوات عديدة، بدأت شعلتها في أواسط الستينات من القرن الماضي، واستمرت طيلة المشوار العلمي للمحتفى به .

فمنذ صدور العدد 2 من مجلة دعوة الحق سنة 1965 ، دأب الرجل على تقصي الحقائق بكل جهد وموضوعية، إذ أورد ألفاظا بجميع لهجات العرب: أسد وتميم وجرهم وقيس وغيلان وغسان وبني حنيفة وأوس  وحضر موت…

ثم أحصى مفردات اللغة الآرامية في القرآن، تم أصدر سلسلة القراءات القرآنية: حيث تناول فيها جملة من المواضيع أهمها:

 ـ موقف ورش من نافع

 ـ الوضعية اللغوية لمجموعة من الحروف: الهمزة المفردة، الهاء المصاحبة للميم، الهمزة الساكنة الواقعة  بعد غير الهمزة، الهمزة الواقعة عينا أو فاء الكلمة أو  لامها.

 وتعددت أبحاثه فكانت على شكل مقالات تتناول نماذج من تخريج القراءات، مثل مقالته: حول هاء الكناية في القرآن الكريم، وقام أيضا بتحقيق لغوي لشرح مطول للقاموس المحيط، كما اهتم بالدرس اللساني.

ووجه الدكتور أحمد كروم الباحثين إلى الاهتمام بلغات القرآن لكي تستقيم القراءات القرآنية، وأشار إلى أن الاختلاف في القراءات قد يعود إلى اختلاف اللهجات العربية. فالمفسر لا يمكن أن يستغني عن هذه اللهجات في القرآن الكريم.

والخلاصة التي توصل إليها الدكتور كروم هي أن منهج الدكتور الراجي اتسم بثلاثة ضوابط:

الاعتماد ـ أولا ـ على ضبط الإطار النظري

 استنباط الظواهر المدروسة

 مقارنة الظواهر المدروسة

المداخلة الثانية: “منهج الشيخ التهامي الراجي في التعامل مع القرآن الكريم تلاوة وفهما وتدبرا وتمثلا” للأستاذ نجيب العماري من نيابة وزارة التربية الوطنية بالحسيمة.

افتتح الأستاذ العماري كلمته بشكر كل الساهرين على إعداد هذه الندوة العلمية من أساتذة وهيئات ولجنة منظمة، وتحدث عن مشروعه المرتقب والذي جمع فيه كل ما كتبه الدكتور التهامي الراجي نثرا، وهو بصدد إخراجه في كتاب تحت عنوان “مسار عالم وقدوة متعلم”؛ والذي لخصه في كتاب آخر، عنونه ب”الدليل إلى معرفة عالم البهاليل”.

ثم تحدث عن منهج شيخه التهامي الراجي واعتبره منهجا جديرا بالعناية والاهتمام، إذ كان هو السر في عودة الدرس الإقرائي إلى الوسط العلمي المغربي بعد أفول ظن معه المهتمون بعلم القراءات القرآنية ألا رجوع بعده.

هذا المنهج الفريد والسليم الذي سار عليه الشيخ الراجي أضفى على علم القراءات القرآنية صبغة المادة العلمية وخاصيتها المرتبطة بالنشاط اللساني الحديث إلى حدود التقاطع وعدم الفصل بينهما، محللا لظواهرها أحيانا ومقارنا لها أحيانا أخرى.

ويبدو جليا أن منهج الشيخ قائم على إنصاف علم القراءات القرآنية، وقد انطلق من التطوير والتجديد فجعلهما من أولويات منهجه في التعامل مع القرآن الكريم الذي جمع في طياته قواعد اللغة العربية متكاملة ومتآزرة من نحو، وصرف، وعلوم بلاغية، وأصول لغوية، وقواعد صوتية.

ويمكن تلخيص منهج الشيخ الراجي في العناصر الآتية:

–            حضور الحس الإصلاحي لديه.

–            إتقانه العملية التربوية التعليمية.

–            أسلوبه المتميز في التعامل مع القراءات القرآنية.

–            اعتباره الرسم والوقف آليتين من آليات التفسير القرآني.

–            اهتمامه بالمعاني الميسرة للحفظ والفهم.

–            توظيفه اللسانيات والنتائج العلمية اليقينية.

كما تميز أسلوب الشيخ الراجي في التعامل مع علم القراءات القرآنية بخصائص تقوم على الأسس الآتية:

انطلقت رؤيته من نظرية مفادها أن القراءة الواحدة أو الرواية الواحدة بالطريقة الواحدة لا تعبر لوحدها إلا عن جزء من مراد الله تعالى، أي أن مراد الله لا يتجزأ، وبالتالي فكل القراءات لابد أن تحضر ليكتمل فهم مراده عز وجل.

–       توظيفه أصول التفسير والاهتمام بها من حيث التوجيه، فيتذوقها ليتذوقها السامع ويزداد حبا للقراءة.

–              اهتمامه بما في القراءات من إعجاز بياني.

–              رفضه الترجيح والتفاضل بين القراءات المتواترة.

–              توظيفه طريقة الأداء في بيان مراد الله تعالى، وبيانها بنماذج تطبيقية. وإشارته إلى بعض التوجيهات عند الشيخ الراجي، كاعتباره الرسم آلة للمفسر، كما لو أن الوقف موقف يتخذه القراء ويتبنونه … وغير هذا من الأمثلة كثير.

وقد لخص الدكتور أحمد بزوي الضاوي (رئيس الجلسة) هذه الجلسة الصباحية في من النقط تمثلت في عرضه لبعض قدرات الشيخ الراجي التي تميز بها منهجه والمتمثلة في:

–              القدرة التربوية المتمثلة في تحفيز طالب العلم لطلب المعلومة.

–              القدرة على تصحيح الإشكال المعرفي والمنهجي والمعرفي وإعادة صياغته وتحليله واقتراح الحل، ثم القدرة على التحقق من صلاحية هذا الحل.

–              القدرة على رصد مختلف مصادر المعلومات الضرورية واستغلالها.

–               القدرة على تحديد الأهداف، لكونه يملك تفكيرا استراتيجيا، أو ما يسمى في الأصول بالتفكير المقاصدي. الذي ينطلق من تحديد الأولويات، ثم التدرج، ثم فقه المآلات، ثم فقه المحاسب.

–              القدرة على الجمع بين التنظير والتطبيق.

–              القدرة على الفهم، والجمع بين مكونات المنهج النسقي الذي يجمع بين الوصف والتحليل والمقارنة.

–              القدرة على تشغيل الملكات الفكرية من خلال فهم الظواهر والوضعيات وتنمية الحس الجمالي لدى الإنسان.

–              القدرة على التحليل والتركيب والمقارنة. والاستعداد لحل المشكلات.

–              القدرة على القيام بالمشاريع وتبنيها.

–              القدرة على استعمال الذاكرة وتنميتها.

–              القدرة الإبداعية وممارسة الحس الجمالي.

–              القدرة على التواصل الناجح والفعال.

–              القدرة على التقويم، والتقويم الذاتي.

الجلسة الخامسة

هذه الجلسة ترأستها الدكتورة خديجة إيكير من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجديدة، وضمت مداخلتين مداخلتين علميتين.

المداخلة الأولى: “الظواهر التطريزية والقراءات القرآنية”  للأستاذ الدكتور أحمد البايبي من الكلية المتعددة التخصصات بالراشدية.

استهل الدكتور البايبي بمقدمة تأطيرية تحدث فيها عن موضوع اشتغال علم الصواتة وحصره في عنصرين؛ الفونيمات والتطريزات من النظور الصواتي الأوربي، أو الوحدات المقطعية والوحدات الفوق مقطعية من المنظور الصواتي الأمريكي، وعمد بعد ذلك إلى توضيح المقصود بالظواهر التطريزية بقوله: “هي تلك الملاح الصوتية التي تمتد فوق المقاطع والتفعيلات وفوق المركبات التنغيمية والصواتية والأقوال” وتطلق في العرف الصواتي على التنغيم والنغم والنبر والوقف والطول والإيقاع.

ويذهب الأستاذ المحاضر إلى أن القراءات القرآنية تحفل بالظواهر التطريزية، وقد دافع عن فكرته هذه باستعراض مجموعة من الحجج، ومن أهمها الطبيعة الصوتية للقرآن نزولا وتبليغا، وكذلك من خلال ألحان العرب وملامح التطريز، بالإضافة إلى القراءة المرتلة وتوقيع التطريز القرآني. وأثبت الدكتور البايبي مجموعة من النصوص التي تؤكد نزول القرآن صوتا وتبليغه صوتيا من الله إلى جبريل والرسول الكريم وأصحابه صلى الله عليه وسلم. وما هذا الحرص على التبليغ ـ حسب البايبي ـ إلا رغبة في التوصيل بأدق دقائق الأداء من وقف و تنغيم ومد وتفخيم وترقيق وغيرها، لأن مراعاة هذه الظواهر توجه المعنى و تغيره.

 أما الزعم الثاني فهو أن القرآن الكريم فيه العرب، لذلك فيه جوانب تطريزية والنصوص الدالة على ذلك ـ حسب الأستاذ المحاضر ـ كثيرة منها الحديث الذي يدعو إلى قراءة القرآن بلغة العرب:  اقرأوا القرآن بألحان العرب وأصواتها) ، وأشار البايبي إلى أن مجموعة من الدارسين يقرون بأن الإمالة من ألحان العرب فيما اختلف بشأن النبر وهما مكونان تطريزيان، هذه الجوانب اللحنية ذات إسهام مهم في استمالة النفوس والتأثير فيها. أما الزعم الثالث فيهُم القراءة المرتلة، وهي قراءة تسهم في تجويد الحروف وإبراز الجوانب التطريزية، ومن ثمة خلص البايبي إلى إسهام القراءات القرآنية في اكتناز الجوانب الصواتية بصفة عامة والظواهر التطريزية بصفة خاصة.

 المداخلة الثانية: “المد عند علماء القراءات: دراسة صوتية” للأستاذ الدكتور عبد الحميد زاهيد والدكتور عبد العزيز أيت بها من مختبر الترجمة وتكامل المعارف بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بمراكش.

  كانت هذه المداخلة آخر مداخلة في الفترة الصباحية. وقد استهل الدكتور أيت بها مداخلته بتعريف المد، مع التوقف عند تعليلات العلماء للمد، وركز على المدة الزمنية في تعليله. ثم تطرق المتدخل إلى مختلف تسميات ظاهرة المد التي أوردها العلماء. وخلص إلى أن كل واحد من الأسماء والصفات يرجع إلى خاصية من خصائص الأصوات، إما من حيث مخرجها وهيئة نطقها
أو من حيث طبيعتها المادية والأكوستيكية، موضحا أن تفسير القدماء في هذا الصدد كانت كان صائبا.

 ثم تناول الدكتور أيت بها الفرق بين حروف المد واللين، معللا ذلك بكون حروف المد حركات خالصة، أما حروف اللين فهي عبارة عن أنصاف الصوامت تشكل حركة مع الفتحة. فاستخلص تقويما للمد، قسمه إلى أربعة أقسام ، مشيرا في الوقت نفسه إلى العامل المعنوي وكذلك العامل اللفظي في المد. معتبرا أن الأول أصله مد المبالغة، بينما يعتبر زيادة الهمز مظهرا من مظاهر الثاني. فقسم مد الهمز –اعتمادا على السمين الحلبي- إلى ثلاثة أقسام؛ قسم يقع فيه الهمز والمد في كلمة واحدة، وقسم يقع في كلمتين، وقسم أخير يكون الهمز فيه قبل حرف المد.

    وختم الدكتور أيت باها مداخلته بالإشارة إلى أن القراء اعتمدوا في إدراك ظاهرة المد على حسهم المرهف والملاحظة المجردة، دون وجود أدوات صوتية حديثة كما هو الشأن في العصر الحديث؛ فميزوا بين حروف المد التي تعتبر حركات خالصة، وحروف اللين التي هي أنصاف صوامت. مضيفا أن القدماء تطرقوا للعوامل اللغوية وغير اللغوية في إشباع المد.

  الجلسةالتكريمية:

ترأس هذه الجلسة الدكتور مولاي مصطفى أبو حازم من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بمراكش، وقد تضمنت مجموعة من الشهادات:

كانت الشهادة الأولى للدكتور أبي حازم، الذي ترأس الجلسة، وقد اعتبر المحتفى به رمزا من رموز العطاء والصفاء في هذا البلد، وأنموذجا شامخا  فيه، ومن اللازم  تكريمه من باب الواجب الأخلاقي والوطني والديني.

ثم أعطى الدكتور أبو حازم الكلمة للدكتور عبد الهادي حميتو الذي تحدث طويلا عن علاقته الإنسانية بشيخه المحتفى به ، والتي امتدت طوال سبع وثلاثين سنة حظي خلالها بإشرافه على بحثي الماجستير والدكتوراه وختم مداخلته بإلقاء قصيدة من نظمه .

ثم تناول الكلمة ـ بعد ذلك ـ الدكتور إدريس الناقوري، الذي أعرب  عن امتنانه للمشاركة في الاحتفاء بالشيخ الراجي باعتباره أستاذا وصديقا قديما، فعلاقته  به اتسمت بطابع غير مباشر والمتمثل في زمالة العمل التي جمعتهما في بداية الستينيات وامتدت إلى أواسط الثمانينيات، وعلاقة مباشرة اتخذت طابع شخصي تعرف فيها على جوانب أخرى من شخصية المحتفى به، وذلك من خلال ما ألفه الرجل في  ميدان اللغة والعلوم القرآنية والأبحاث الصوتية  واللسانية. وغيرها من الأعمال المنشورة في مجلات دعوة الحق والكتب المطبوعة. إلى جانب تحقيق العديد من الكتب التراثية القيمة، والتي أبانت عن إتقان الأستاذ الراجي لعدة لغات كالسريالية والفارسية واليونانية  والعبرية إضافة إلي اللغات المعروفة.

 ثم أعطى الدكتور أبو حازم الكلمة لأحد طلبة الدكتور الراجي وهو الأستاذ
المحرزي العلوي الذي تتلمذ على يده أواخر الثمانينات ،  فتحدث عن جملة من الخصال العلمية التي يتسم  بها الأستاذ الراجي، وخاصة قدرته  على قراءة القران بكل القراءات، كما كان  ـ حفظه الله  ـ يدافع  عن طلبة الدكتوراه أثناء مناقشاتهم،مشجعا إياهم، ومتوسما فيهم التطور والتقدم العلمي .

وتدخل بعد ذلك الدكتور أحمد بزوي، والذي تتلمذ على يد الأستاذ التهامي الراجي في بداية السبعينات،  وقد سرد جملة من الوقائع التي عاشها مع الدكتور الراجي، والتي أبانت عن جوانب  متميزة في شخصية المحتفى به، خاصة مساندته  في تعيين الأساتذة الجدد في الكلية ، إلى جانب  ملامح شخصيته الإنسانية المتميزة .

وتفضل الدكتور عبد الهادي دحاني بإلقاء كلمة في حق المحتفى به، وأوجزها في ثلاث نقاط :

 ـ التواضع الذي تميز به شخص المحتفى به. فهذه الخصلة  من الشيم التي  يوصف بها الشيخ المحتفى به، و علاقته مع الأساتذة والطلبة  تشهد على  ذلك.

 ـ  احتضان واحتواء طلبة العلم، حيث دأب الأستاذ على تشجيع الطلبة وتحريك هممهم، وحثهم على المواصلة، ومساعدتهم  في  استكمال أبحاثهم بتقديم يد العون لهم.

ـ الحب الكبير لحملة القران الكريم واحترامهم واحتضانهم، فحبه لكتاب الله وحفظه له جعله يولي اهتماما خاص لحملته .

 ثم  ألقى الأستاذ محمد اليوسفي كلمة بهذه المناسبة، معربا عن حبه الشديد واحترامه الكبير للأستاذ  الألمعي المحتفى به، والذي جمع العديد من الخصال، أعرب عنها الأستاذ اليوسفي كما يلي: الإباء، والجود، والكرم، والإحسان، والحكمة، والرزانة، والتفاني ومحبة الرسول صلى الله عليه وسلم. والحذق، والفراسة، والنكث، والأنفة، وغيرها من الصفات الإنسانية التي تميز بها فضيلة المحتفى به.

 وختمت سلسلة المداخلات التكريمية  بكلمة للأستاذ  الدكتور  عبد الحميد زاهيد، الذي  امتدت معرفته بالأستاذ المحتفى به قرابة عقدين من الزمن. وهي سنوات تجعل من شهادة الأستاذ زاهيد شهادة حفيد وشهادة اعتبار، لا شهادة بيان واستدلال، ولا قولا على أقوال.  فعلاقته بالأستاذ المحتفى به، امتدت لسنوات، وهي علاقة أب روحي بطالب علم. وأبرز الأستاذ زهيد أن حبه للمحتفى به، حب لا يوصف إلا بلغة الصمت لا بلغة الكلام.

واختتمت الجلسة التكريمية بإلقاء قصيدتين شعريتين، الأولى للشاعر صنداك  والثانية من نظم
سعيد واعزوز ألقاها بالنيابة عنه الباحث محمد واسكسو.

وفي الختام كانت الكلمة للمحتفى به الدكتور التهامي الراجي، الذي تطرق لمعاني كلمة “شهادة” في القرآن الكريم، وأسرارها لغة ورسما، كما حث طلبة العلم على التشبث بالقرآن الكريم وقراءته بقراءاته العشرة، وفي الأخير شكر كل من أسهم في تنظيم هذه الأيام العلمية. وبعدها سلم المنظمون الدرع التكريمي و مجموعة من الهدايا التذكارية للمحتفى به الدكتور التهامي الراجي.

مقالات ذات صله