تقرير محاضرة “دور المرجعية الكتابية في ترجمة القرآن الكريم إلى لغات ذات مرجعية كتابية”

تقرير محاضرة الأستاذ الدكتور عبد الرحمن السليمان في موضوع:

“دور المرجعية الكتابية في ترجمة القرآن الكريم إلى لغاَت ذات مرجعية كتابية”

نظم مختبر الترجمة وتكامل المعارف ومركز الكندي للترجمة والتدريب وماستر تكنولوجيا الترجمة والترجمة المتخصصة لقاء علميا متميزا ألقى فيه الأستاذ الدكتور عبد الرحمان السليمان من جامعة لوفان – بلجيكا، محاضرة عنونها: “دور المرجعية الكتابية في ترجمة القرآن الكريم إلى لغاَت ذات مرجعية كتابية”؛ وذلك يوم الخميس 13 أبريل 2017؛ ابتداء من الساعة الثالثة زوالا بكلية الآداب والعلوم الانسانية مراكش.  

وترأست هذا اللقاء الدكتورة سعاد الكتبية من جامعة القاضي عياض مراكش، وقد افتتحت الدكتورة كلمتها بشكر وتقدير الدكتور المحاضر على تلبيته للدعوة، كما رحبت بالحضور الكريم أساتذة وطلبة باحثين. بعد ذلك فتحت المجال للدكتور المحاضر؛ مستهلا محاضرته بكلمة عبر فيها عن سعادته الغامرة بالتواجد في رحاب كلية الآداب والعلوم الانسانية بمراكش، مردفا ذلك بتقديره واعترافه بمجهودات المنظمين لهذا اللقاء العلمي، ومدى سعيها لتحقيق الرقي بالبحث العلمي لا سيما في مجال الترجمة، وفي مقدمتهم مختبر الترجمة وتكامل المعارف.                                                               

          أشار الدكتور في بداية محاضرته إلى أن الترجمة الدينية هي نوع من أنواع الترجمة الأدبية، غير أنها تبقى مقيدة بالمرجعية الفكرية للمترجم، وقد تكون هذه المرجعية دينية أو مذهبية أو إديولوجية (ماركسية/شيوعية) أو حركية(حركات اجتماعية معينة ينعكس انتماؤها الحركي على الترجمة)، مؤكدا في الآن ذاته أن المرجعية الكتابية تشمل مرجعيات مختلفة حصرها في ثلاثة روافد؛ تعتبر في جملتها المرجعية الفكرية للمترجم الكتابي؛ وهي:                                                       

  1. المرجعية الكتابية في حد ذاتها( العهد القديم/العهد الحديث)
  2. المرجعية الثقافية (الثقافة: شكلا ومضمونا)
  3. المرجعية الإيديولوجية(خصوصا التي تركت أثرا كبيرا في الغرب مثل الشيوعية)

  بعد ذلك بسط الدكتور المحاضر إشكالية البحث الرئيسية في كون الترجمات اليهودية والنصرانية قد وظفت في الماضي لإثبات أن القرآن إنما هو من أصول ومصادر يهودية أو نصرانية نهل منها محمد صلى الله عليه وسلم، وهي فكرة نشأت في العصور الوسطى، وبقيت راسخة في ذهن الغربيين حتى منتصف القرن الماضي، وهناك تيارات كثيرة من المترجمين المتشبعين كثيرا بهذه المرجعية، ومن ثمة راح هؤلاء بهذه الفكرة ينظرون إلى القرآن الكريم انطلاقا من الشبكة المفاهيمية للكتاب المقدس، ووظفوا هذه المرجعية في ترجماتهم بوعي أو بدون وعي.                             

ونبه المحاضر إلى أن الديانات السماوية الثلاث: الإسلام واليهودية والنصرانية، والمسماة ديانات الوحي تدعو البشرية لعبادة الإله الواحد، وترى في إبراهيم عليه السلام أول الموحدين، فقد تم تدوين الوحي عند بني إسرائيل في أسفار العهد القديم باللغة العبرية، ووردت نصوص النصرانية الأولى باللغة الآرامية أو السوريانية، ثم ظهر الإسلام باللغة العربية، لذلك فالديانات الثلاث كلها من وحي شرائع سماوية دونت بلغات متقاربة(لغات جزيرية تحل محل مصطلح اللغات السامية لأن أصلها اللغة العربية).                                                                             

ولتأكيد ما ذهب إليه قدم الأكاديمي المتميز أمثلة تبرز التوظيف الموضوعي للمرجعية الكتابية في ترجمة النص القرآني، مبرزا إشكالية تطور المفاهيم المؤسساتية واختلافها، وأيضا بعض الأمثلة المتعلقة بالتوظيف غير الموضوعي لهذه المرجعية، ومن ذلك التوظيف المغرض الذي يتجلى في إكساب وإرجاع المصطلح القرآني إلى حقول دلالية ومفاهيم كتابية أثناء الترجمة، أحيانا عن قصد وأحيانا عن غير قصد، ممثلا لذلك بأمثلة كثيرة منها لفظ “الزكاة” لكونه ينتمي للموروث الجزيري المشترك، الذي يدل في اللغة العبرية والسريالية والآرامية والعربية البراءة والطهارة، وهو ما ظهر في ترجمة “جاك بيرك”، إذ إلى الفرنسية بـ”الطهارة” و”البراءة”، وهذا خطأ ترجمي؛ لأن “الزكاة” في النص القرآني تعتبر مؤسسة إسلامية لا مكافئ لها في اللغات الأخرى سواء على الصعيد الوظيفي أو المعجمي.                                                                     

وأشار بعد ذلك إلى إشكالية أشباه النظائر التي يطرحها التوظيف غير الموضوعي للمرجعية، إذ يشمل الكلمات المنتمية إلى أسرة واحدة، على الرغم كون حقولها الدلالية مختلفة؛ كالحج على سبيل المثال، مستحضرا في هذا السياق ظاهرة “لوكسمبورج”، الذي وضح عمله في أخذ كل الكلمات العربية الموجودة في القرآن، والتي لها ما يجانسها في السريانية، ونطقها حسب هذا النطق السرياني، وترجمها بعد ذلك بناء على مفهوم هذه اللغات، للوصول بعد ذلك خلاصة مفادها أن القرآن أصله سرياني. وقد انتقد هذا المنهج جل العلماء؛ لأنه لا ينبني على أسس علمية، وإنما يرتكز فقط على تحريك الكلمات ((ل ح م / لَحْم/ لِحِم)). ومن ثمة فهو توظيف غير موضوعي، لأنه يعتبر الإطار القديم هو المرجع.                                      

وواصل الأستاذ محاضرته بالإشارة إلى ما سمّي بالترجمة السبعينية، وهي أسفار من العهد القديم؛ ترجمت من العبرية إلى اليونانية، وتعتبر وثيقة مهمة جدا، لكن على الرغم من ضياع الأصل الذي ترجمت عنه هذه الترجمة، فإن الديانة اليهودية والنصرانية ارتكزتا على هذه الترجمة السبعينية بالرغم من كونها ليست أصلا، موضحا أن من نصوص العهد القديم التي عثر عليها؛ طبعة “ستوتكارت” لأقدم مخطوطات البحر الميت؛ ذات الأهمية الكبيرة، وكذلك على بعض الأصول العبرية للكتب التي أسقطت من الترجمة السبعينية. مشيرا كذلك إلى بعض الإشكاليات التي تطرحها معالجة هذه المخطوطات؛ ومنها إشكالية معالجة الأصل المتعلق بنظام الإعجام والحركات وضبط النطق، ومشاكل أخرى في معالجة النص على المستوى التاريخي واللغوي(الصرفي والصوتي والنحوي والمعجمي الدلالي).               

وانتهى الأستاذ إلى أن استحالة فهم نصوص العهد القديم بطريقة مستقلة عن أي مرجعية، يعني بديهيا عدم إمكانية توظيفه لفهم النص القرآني. وقد عبر عن هذه الفكرة أحبار اليهودية والنصرانية جميعهم، ويعتبر اليهود المستعربون أول من درس نصوص العهد القديم دراسة علمية، وفي مقدمتهم ابن جناح القرطبي الذي انتقد علماء التلمود، وعلى هذا النحو وظفت العربية وعلم اللغة المقارن في فهم ما استعجم من العهد القديم.                                                                                     

انتقل الأستاذ بعد ذلك إلى الإجابة على السؤال المحوري؛ وهو: كيف نترجم القرآن إلى لغات ذات مرجعية كتابية؟ مشيرا أولا إلى النظرية الغائية التي تركز على الغاية المتوخاة من الترجمة؛ والتي تعتبر أن الهدف النهائي من الترجمة هو الذي يحدد للمترجم الاستراتيجية التي ينبغي اتباعها خلال ترجمته. أما في ما يتعلق بالأمور العقدية فيرى المحاضر أن خطة التكافؤ اللفظي أو المعجمي هي الأنسب لترجمة المصطلح الإسلامي، وفي حالة استحالة تطبيق هذه الاستراتيجية يمكن اتباع استراتيجية الشرح في المتن، أو اللجوء إلى اعتماد عملية “النقحرة” عند الاقتضاء، كما كان الشأن عند ترجمة مصطلح “الزكاة”.             

أما فيما يتعلق بالقصص القرآني الموازي لما ورد في أسفار العهد القديم، فإن الأستاذ المحاضر يميز بين نوعين اثنين:                                               

– نوع موازي مجانس لقصص القران الكريم؛ كقصة يوسف عليه السلام والمائدة، وغيرها من القصص التي تحقق التواصل على أحسن وجه.  

– نوع مواز لقصص القرآن لكنه يحتوي على إشكالية عقدية أو أخلاقية تثير لدى المتلقي الغربي شعورا معينا، وتتسبب لديه في تأثير سلبي على عملية تلقي الترجمة.                        

 واقترح الأستاذ لذلك اعتماد منهج التكافؤ البراغماتي المرتكز على النظرية الغائية في الترجمة، والتي تتطلب من المترجم استحضار خلفية المتلقي الثقافية من جهة، ومعرفة الهدف المتوخى من الترجمة من جهة أخرى.                                 

بعد ذلك أنهى الأستاذ الدكتور محاضرته باقتراح منهج التكافؤ البراغماتي المرتكز على تكافؤ السياق؛ من أجل ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغات ذات المرجعية الدينية والفكرية الكتابية، مؤكدا على ضرورة معرفة المصطلح القرآني في اللغة العربية أولا، وذلك انطلاقا من رؤية إسلامية مدروسة، ومعرفة عميقة أيضا بالمصطلحات الدينية في اللغات ذات المرجعية الدينية والفكرية الكتابية؛ خصوصا العبرية والآرامية والإغريقية واللاتينية، وعلى المعرفة العميقة كذلك بأنظمتها المفاهيمية، وبمذاهب الترجمة وتقنياتها واستراتيجياتها العملية.    

مقالات ذات صله