تقرير الندوة الوطنية التكريمية لفضيلة الدكتور محمد مشبال

تقرير الندوة الوطنية التكريمية لفضيلة الدكتور محمد مشبال

المنظمة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية في مراكش، يومي 22-23 مارس 2017م

نظم مختبر الترجمة وتكامل المعارف ومركز الكندي، يومي: 22/23 مارس 2017م ندوة وطنية تكريمية لفضيلة الدكتور محمد مشبال، بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بمراكش. وقد تميز برنامج هذين اليومين بالتنوع والثراء، إذ حضر الندوة ثلة من الباحثين المتخصصين في مجال البلاغة، وقد حظيت الندوة بمتابعة كبيرة من طرف عدد مهم من المتخصصين .

الجلسة الافتتاحية

افتتحت أشغال الندوة الوطنية التكريمية للبلاغي المغربي محمد مشبال بآيات بينات من الذكر الحكيم، ثم تلتها كلمة عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية؛ تمحورت حول الشكر العميم للساهرين على إحياء المشهد الثقافي في الكلية، مشيدا بمجهودات مركز الترجمة وتكامل المعارف ومركز الكندي للترجمة والتدريب في إحياء هذه المناسبة الاحتفائية بالبلاغي المغربي.

ثم سلمت الكلمة إلى عضو من أعضاء اللجنة المنظمة، وابتدأت بشكر مسؤولي الكلية عما بذلوه من تيسير لإقامة هذه الندوة، وانتقل للحديث عن مجهودات اللجنة المنظمة، ومختبر الترجمة وتكامل المعارف.

وتحولت الكلمة إلى رئيس مختبر الترجمة وتكامل المعارف، مرحبا خلالها بالضيوف الكرام من داخل وخارج المغرب، وشكر كل ذي نية صافية في مد يَدِ العون لإحياء مثل هذه الندوات، ولام كل من حاول إعاقة مسيرة المعرفة في الكلية. وأثنى بعد ذلك على المحتفى به؛ مبرزا أهمية عمله في مسيرة البلاغيين المغاربة والعرب عامة، وتحدث عن أهمية هذه الندوة في تأثيث المشهد الثقافي والأدبي والبلاغي بالمغرب والعالم العربي.

الجلسة العلمية الأولى:

بعد الجلسة الافتتاحية، انطلقت الجلسة العلمية الأولى بمحاضرة ألقاها المحتفى به الدكتور محمد مشبال، عنوانها: “بلاغة الأدب وبلاغة الحجاج: الائتلاف والاختلاف”، وقد ترأس هذه الجلسة الدكتور عبد القادر حمدي، الذي وصلَ في تقديمه الشكرَ للمحتفى به، وللجنةِ التنظيمية، والحضور من مختلف الجامعات الوطنية والدولية. وعرَّفَ بمجموعة من أعمال المحتفى به، وتبيان أثرها البارز في هذا الحقل المعرفي، خاصة، والثقافي عامة.

افتتح الدكتور محمد مشبال محاضرته بالثناء والشكر لكل من عمل على إحياء هذه المناسبة الثقافية، ثم انتقل للحديث عن علاقته بالبلاغة، التي كانت في بداية الأمر علاقة بسيطة لا تطرح أي إشكال، فهي واضحة مُيَسرة، ومن خلال هيمنة أثر المحافظين في بناء تصورها وامتدادها.

غير أنه انشغل فيما بعد بدراسة الآثار الأجنبية، وبخاصة المناهج كالأسلوبية والشعرية. ومن ثَمَّ انطلقت بذرة التوجه الجديد في الحوار مع الموروث البلاغي العربي؛ من خلال مجموعة من البلاغيين الجدد؛ أمثال: العمري، المسدي، والوالي…

كما نبه إلى خطورة إسقاط المفاهيم الأجنبية على التراث العربي، ولذلك وجب التطلع إلى قراءات جديدة. ومن هنا بدأت رحلته نحو حمل هذا الهم.

ولكي تفكر في إطار مفاهيمي للبلاغة كان لزاما عزلها بوصفها منهجا مستقلا، وهنا يبدأ الإشكال الأول؛ لأن البلاغة لها علاقة وطيدة بالجنس الأدبي، وليست مجردة غير مرتبطة بأي جنس معين، فهي توجد في جميع الأجناس كالرواية والشعر والخطابة…؛ فتحدث عن تمسك الجنس الأدبي بالبلاغة، واستيحاء مقولات البلاغة من جماليات الشعر، واعتبار النصوص الأدبية مستقلة ذاتَ بلاغة خاصة.

وقد طرح الدكتور محمد مشبال مجموعة من الأسئلة؛ رغبة منه في تحقيق مجموعة من النتائج؛ فدعا إلى تطوير درس البلاغة، والتطلع بالبحث البلاغي في المغرب نحو آفاق جديدة، لأنه جزء من هويتنا الثقافية، وعلم يؤهل للحوار المتكافئ مع الغرب.

وقد تحدث البلاغي عن المرجع الخطابي المهيمن، وخلص إلى أن الشعر أساس البلاغة؛ إشارة منه إلى الوظيفية الجمالية الأدبية للبلاغة، التي تميز الخطاب الأدبي العربي عن الخطاب الغربي للبلاغة، الذي تبنى وظيفة إقناعية في البداية، ثم تحول فيما بعد إلى الخطاب الأدبي مع الأسلوبية، وانتهاء بالبلاغة المختزلة.

تحدث البلاغي محمد مشبال عن المجالات التي تشملها البلاغة؛ من مثل المجال السياسي (الخطبة، المناظرة، الحوار، التقريع…)، والمجال الاحتفالي (المدح، والتهنئة…) ومجال القضاء(المرافعات)، ليخلص إلى الحديث أن هذا الإشكال يتضح من خلال عمل الجاحظ (بلاغة القناع)، وعمل ابن المعتز (بلاغة الأدب)، ومن خلال تفرع البلاغة العامة (الأدبية) إلى بلاغات خاصة ونوعية، ومن ثمة فالبلاغة تستمد مادتها من أنواع الخطاب الذي تتعامل معه، وتتسع بحسب هذه الأنواع، وطبيعة رصدها وتنوعها، وقدرة تشغيلها في تحليل النص الأدبي (رواية، نادرة، مقامة…)، والخروج من سلطة النظرية إلى التطبيق.

وختم الدكتور محمد مشبال محاضرته إلى المعيقات التي تحول دون تطور الدرس البلاغي؛ مثل غياب عمل جماعي ممنهج، وجمع شتات هذه الأعمال الفردية، والعمل على تقدير أعمال هؤلاء الأفراد، ونسبة القول إلى أصحابه.

وبعد انتهاء المحاضرة الافتتاحية  شكر رئيس الجلسة الدكتور عبد القادر حمدي، المحتفى به على هذه المحاضرة القيمة، وشكر الحضور على إنصاتهم وتفاعلهم، ومنح الكلمة لمجموعة من المتدخلين، قبل أن يسلم كلمة الختام للمحتفى به.

الجلسة العلمية الثانية:

وترأس الجلسة العلمية الثانية الأستاذ الدكتور عبد الواحد المرابط؛ وتضمنت هذه الجلسة ثلاث مداخلات:

المداخلة الأولى

وهي مداخلة الأستاذ عبد الرحيم وهابي، أستاذ باحث في البلاغة وتحليل الخطاب بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين، بفاس، وكان موضوع مداخلته: البلاغة والتداول: قراءة في البلاغة العربية الجديدة، وقد حاول فيها العارض استحضار بعض المحطات الهامة والحاسمة في تطوير البلاغة العربية، ونقلها من المقام الضيق وبلاغة المحسنات إلى التصور الجديد الذي يجعلها علما راصدا لمختلف أشكال الخطاب التخييلية والتداولية، وأبرز هذه المحطات:

  • القراءة الجديدة للبلاغة العربية القديمة
  • قراءة حمادي صمود: من المحسنات البلاغية إلى الإقناع: فقد اعتبر الأستاذ وهابي مشروع حمادي صمود من الاجتهادات التي شكلت قفزة نوعية في إعادة قراءة البلاغة العربية القديمة وفق منظورات جديدة، إذ انتقد غياب بلاغة الإقناع عن البلاغة العربية، واهتمام الدارسين لها بالتأريخ للبلاغية واجترار مصطلحاتها وموضوعاتها التقليدية والتعريف بأعلامها.
  • محمد العمري: القراءة النسقية للبلاغة العربية: فقد عمل محمد العمري على تجديد الدرس البلاغي، من خلال نقل التحليل فيه من الصور والمحسنات إلى الإقناع وأدواته، وتخليصه من الاختزالات والقراءات الخاطئة التي أدت بالبلاغة العربية الى العقم والجمود.
  • محمد الوالي: نحو رؤية جديدة لبلاغة المحسنات: نظر محمد الوالي إلى محسنات الأسلوب نظرة جديدة لا تنحصر في إبراز الخصائص الجمالية والتخييلية، بل تتجاوزها إلى إبراز جوانب متعددة حجاجية يحددها السياق ومقتضيات القول، ومن هذا المنطلق عمل محمد الوالي على تطوير مفهوم الصورة الشعرية، وذلك بالنظر إلى القيمة التي حظيت بها الصورة عبر تاريخ البلاغة الطويل،
  • البلاغة والحجاج: إذ اعتبر الأستاذ وهابي أن من أهم ما كشفته القراءات الجديدة للبلاغة العربية هو تبيين الأبعاد التداولية الحجاجية في البلاغة، ومن أهم الأعمال البلاغية التي حاولت تأصيل المبحث الحجاجي باعتباره مبحثا بلاغيا ذكر: مشروع محمد مشبال: الحجاج في النثر العربي القديم، ومشروع عبد الله صولة: الحجاج في القرآن الكريم، ومشروع سامية الدريدي: الشعر والحجاج
  • نظرية الأفعال الكلامية والبلاغة العربية، ويعود الاهتمام بنظرية الأفعال الكلامية إلى التقارب الذي لاحظه ثلة من البلاغيين العرب، بينها وبين كثير من المباحث البلاغية، خاصة تلك المتعلقة بالأساليب الإنشائية، وتوقف العارض عند مشروع الباحث مسعود صحراوي الذي حاول استثمار مفهوم الفعل الكلامي، أو جزئه المعروف بـ’القوة المتضمنة في القول’، في قراءة الموروث اللساني العربي، عبر حقول معرفية متعددة؛ كعلم البلاغة وأصول الفقه والنحو. كما تحدث عن مشروع الباحث خالد الذي جعل مفهوم ‘الإنشاء’ مرادفا للفعل الكلامي في بعده الإنجازي، غير أنه تخلص من المفهوم الضيق الذي حصره البلاغيون القدامى للإنشاء.

المداخلة الثانية:

وهي مداخلة الدكتور عبد الكريم أبزاري، من جامعة مولاي إسماعيل بمكناس، والكلية المتعددة التخصصات بالرشيدية، وقد حملت مداخلته عنوان: “في مؤسسات الخطاب الإقناعي: من تخوم البلاغة إلى رحابة الحجاج”، وقد انطلق في مداخلته من إشكال مازال يطرح بحدة على كل باحث في مكونات الخطاب بصفة عامة، والذي يتمحور بالأساس حول مدى أهمية المكونات البلاغية في خطاب يستهدف الإقناع قبل الإمتاع، والتواصل قبل الإبلاغ، ويتجلى الدافع لهذا التصور في كون مفهوم الإقناع يحظى بأهمية قصوى في كل اللقاءات والحوارات والندوات والمناظرات، وقسم مداخلته تبعا لذلك إلى ثلاثة محاور، حاول في المحور الأول البحث في الإشكالية الخطابية والحجاجية في جانبها البلاغي.

 وخصص المحور الثاني لتحديد بعض ملامح وتجليات الوظيفة البلاغية وتبيان أهميتها في بناء الخطاب الإقناعي، وحاول في المحور الأخير توضيح تأثير الملامح البلاغية في الخطاب الحجاجي في بعده الإقناعي، فتوقف عند مسوغات الصيغ اللفظية في الحجاج، وعرض لطرق تقديم المقدمات الحجاجية، واختتم كلامه بالتأكيد على أن بناء الخطاب الإقناعي في بعده الحجاجي يستدعي التقيد بالآليات الحجاجية والبلاغية في شموليتها المنهاجية والنظرية لتحقيق الأهداف الثلاثة من بنائية الخطاب: الإفادة والإمتاع والإثارة، وقد أضحى الحجاج بمسوغاته اللفظية وطرق اختيار مقدماته باعتبارها تقنية خطابية تستعين بالأدوات البلاغية البنائية منها والجمالية من أجل اكتمال الخطاب الإقناعي من الضوابط المهمة لتأطير هذا الخطاب وتحديد توجهاته العامة، ونتيجة لهذا التداخل والتفاعل بين المقومات البلاغية والحجاجية ينتج ما يسمى بالخطاب الإقناعي المؤثر، وهذا طبعا لا ينفي إسهام مكونات أخرى في بناء الخطاب.

المداخلة الثالثة:

وهي مداخلة الدكتور رشيد شعلان من جامعة 8 ماي 1945، قالمة، الجزائر، الموسومة ب “في تجليات البلاغة الرحبة عند محمد مشبال”، وقد دارت المداخلة حول تحديد مفهوم التداولية، ومدى اتساعه؛ حتى تلغى بموجبه الحدود الصارمة بين المعارف، ولتتم صياغة القواعد والمعايير من كيان النص وظروف إنتاجه؛ وهي الرؤية التي يتبناها الدكتور محمد مشبال في كتابه “البلاغة والأصول: دراسة في أسس التفكير البلاغي: نموذج ابن جني”.

وقد أشار إلى خطة البلاغي محمد مشبال في استيعاب شروط الممارسة النقدية، وانصهار الدرس البلاغي فيها، ومحاولته وضع القوانين الكلية عبر الانتقال من التنظير إلى التطبيق، لبناء مقاربة واضحة للخطاب النصي، تعمل على تبيان أهمية الدرس البلاغي في مسايرة العصر، بعد أَنْ كان جامدا؛ وهو ما يوسع دائرة التفكير البلاغي، الذي انطلق من النموذج الأمثل إلى الفضاء الأرحب، من خلال دراسة البعد التداولي للخطاب،

فكان عمله ينحو نحو البعد الإجرائي للبلاغة العربية.

إن المنحى الإجرائي الذي يتبناه البلاغي محمد مشبال؛ يجعل دراسته ذات نظرة شمولية، تتناول أشكال الخطاب وتنوع مقاماته ومستوياته، ما ينحو به نحو صياغة مبادئ كلية قابلة للتعميم؛ ولذلك وجب إعادة النظر في الجهاز المصطلحي للبلاغة.

ويبقى الهاجس الأكبر متمثلا في القدرة على استيعاب المقولات البلاغية؛ بناء على هذا التصور؛ لتعذر حصرها، فكانت رؤية البلاغي محمد مشبال توقن بتواجد البلاغة في كل مكان؛ لأن الخطاب عامة يتميز بخاصة تقديم المعرفة وتحصيل المنفعة. ولما كانت البلاغة تقوم على الحجاج في شموليتها، فلا منجاة للخطاب منها. وبذلك لن يقتصر الخطاب البلاغي على الشعر وحسب، وإنما يمتد ليشمل كافة الأنواع الأدبية والسردية.

الجلسة العلمية الثالثة

بدأت الجلسة الثالثة التي ترأستها الدكتورة سعاد الكتبة –بكلية الآداب والعلوم الإنسانية مراكش- بمداخلة الدكتور عبد العزيز أيت بها– مختبر الترجمة وتكامل المعارف مراكش-المعنونة بـ“أي بلاغة لأي أدب”، واستهلها بالحديث في المحور الأول عن “البلاغة وجدل الإمتاع والإقناع”، وخلص منه إلى أن موضوع البلاغة كما انتهى إليه الدكتور محمد مشبال في مشروعه هو الخطاب في تأثيره وتواصله، ولهذا التأثير صيغ متعددة بحسب تعدد أنواع الخطابات.  

ومن ثمة انتهى إلى أن البلاغة قادرة على استيعاب المقارنتين التخييلية والحجاجية معا، وواصل حديثه بعد ذلك في المحور الثاني عن “بلاغة الصور وبلاغة السمات”؛ وذلك من خلال عنصرين: الأول في نقد بلاغة الصور المقننة، والثاني في الدعوة إلى بلاغة السمات، أما المحور الثالث والأخير من المداخلة؛ والذي عنونه بـ”البلاغة العامة والبلاغات الخاصة”؛ مشيرا أنه امتداد للإشكال المطروح في المحور الثاني، وبعد ذلك ختم مداخلته بخلاصة مركزية؛ وهي أن المشروع العلمي للدكتور محمد مشبال سعى إلى الحد من انتشار البلاغة المختزلة؛ مفسحا المجال للبلاغة الرحبة باعتبارها بلاغة كلية(شعرية وأسلوبية وسيميائية وحجاجية) ونوعية (سماتية وأجناسية).

ونقلت الدكتورة سعاد الكتبة -بعد التنويه بمداخلة الدكتور أيت بها- الكلمة إلى الدكتور رشيد أعرضي- كلية الآداب والعلوم الإنسانية مراكش- الذي قدم مداخلة بعنوان“تأصيل محمد مشبال لبلاغة السخرية”، مشيرا في البداية أن هدفه هو عرض التصور النقدي الذي انطلق منه محمد مشبال لتأصيل بلاغة السخرية في كتابيه: “بلاغة النادرة” و”الحجاج والتأويل في النص السردي عند الجاحظ” باعتبارهما مترجمين لطموحه في تجنيس النادرة ومنهجه في تحليلها. فقدم في البداية بعض القراءات السابقة على قراءة الدكتور محمد مشبال، وثنى ذلك بالحديث عن قراءة محمد مشبال لنثر الجاحظ، من خلال الإشارة إلى مشكلة المنهج في قراءة النادرة وتجنيسها، وإلى البلاغتين اللتين وقف عندهما الدكتور مشبال في دراسته لبلاغة النادرة الجاحظية؛ وهما بلاغة النادرة الخارجية وبلاغة النادرة الداخلية، لينتهي مداخلته بخلاصات هامة؛ منها أن السخرية تستمد بلاغتها من خلال مضامين النادرة؛ وهذه البلاغة هدفها إصلاح المجتمع، وجعله متصفا بالشجاعة والصدق والكرم وجعله متعارفا ومنسجما. 

نوهت الدكتورة رئيسة الجلسة بمداخلة الدكتور رشيد أعرضي، وبعدها حولت الكلمة إلى الأستاذ محمد مرزاق- كلية الآداب والعلوم الإنسانية- تطوان- لإلقاء مداخلته التي اختار لها عنوان: “البلاغة الأدبية وتحليل الخطاب عند الدكتور محمد مشبال”،استهلها بشكر المنظمين والتنويه بمجهود أستاذه الدكتور المحتفى به، موضحا أن مداخلته تسعى إلى مقاربة جانب من اهتمام الدكتور محمد مشبال؛ وهو “البلاغة الأدبية”، بالتركيز على محاور مركزية مرتبطة بهذا المسعى، منبها في البداية أن البلاغة عنده تتجاوز التحسين والزخرفة، محاولا الإجابة عن الأسئلة الآتية:

  • ما مفهوم البلاغة عند الدكتور محمد مشبال؟
  • ما هي حدود البلاغة الأدبية في منجزه النقدي؟
  • ما علاقة بلاغته الرحبة بمقولات النوع؟
  • كيف وظف البلاغة الأدبية في تحليل الخطاب؟

وخلص في نهاية مداخلته إلى أنه يعسر الإحاطة بالمجهود بالبلاغي الغني للدكتور محمد مشبال في هذا الوقت القصير المخصص للمداخلة، مشيرا إلى أن المحتفى به نفسه لم يضع تعريفا محددا ومقيدا للبلاغة، مؤكدا أن جهود الرجل واضحة في تاريخ البلاغة الحديثة.

وانتهت الجلسة بمداخلة الدكتور عبد الوهاب الأزدي؛ التي وسمها ب”البلاغة وتحديد الأجناس من خلال كتاب “مقولات بلاغية في تحليل الشعر”، مصدرا مداخلته بشكر المنظمين للندوة والتنويه بالمحتفى به، مشيرا في البداية أن مداخلته تطرح سؤال علاقة البلاغة بالجنس الأدبي، باعتباره من الأسئلة التي استأثرت بمجهوده منذ بداية نشاطه العلمي في مجال الدرس البلاغي، مؤكدا أن هذا السؤال وضحه الدكتور محمد مشبال في أول كتاب له؛ وهو الكتاب السالف الذكر والمهم في نظره، ومحاولا بعد ذلك أن يؤصل لهذا السؤال في التراث النقدي والبلاغي العربي القديم، لينتهي في ذلك السياق إلى أن البلاغة العربية تتسع لفنون القول ولمقاماته وسياقاته، وأنها وجدت منابتها الأولى في علوم اللسان العربي والتفسير والقراءات، وأن دائرتها اتسعت مع مناظرات المتكلمين والفلاسفة المسلمين، فتفاعلت بذلك مع علوم الكلام المنطق والفلسفة. وأشار بعد ذلك إلى أن الكتاب له مسعيان؛ وهما:

  • تدقيق النظر في بعض المفاهيم الجمالية التي شاعت في النقد الأدبي المعاصر وصارت موجهة للتصورات النقدية في التعاطي مع الأنواع الأدبية.
  • اختبار مفاهيم جمالية شاعت في التراث البلاغي وتفعيلها في تحليل النصوص.

ويمكن للقارئ بمتابعته لهذين المسعيين في الكتاب-كما يوضح المتدخل- استخلاص تصور لمفهوم البلاغة تنظيرا وتطبيقا، وعلاقة هذا المفهوم بالأنواع الأدبية، مؤكدا أن الأسئلة التي راجت في هذا الكتاب في شأن العلاقة بين المفاهيم الجمالية والأنواع الأدبية هي الأسئلة نفسها التي استبدت بنشاط المهتمين بنظرية الأدب؛ باعتبارها مبدأ تنظيميا تسعى فيها المفاهيم الجمالية للاستجابة للخصائص النوعية المشتركة بين بنيات وأنماط شعرية ونثرية.

وقد أنهى الدكتور الأزدي مداخلته بالإشارة إلى أن المؤلف في هذا الكتاب يتبنى مفهوما للبلاغة على أساس الغنى والشمول الفني، وهو بذلك يضع نفسه برأي الأزدي في قلب نظرية الأنواع الأدبية، محاولا بعد ذلك تقديم خلاصة مركزة لموضوعات الكتاب مشفوعة بالاستنتاجات.

هكذا ختمت الجلسة الثالثة والأخيرة في هذا اليوم الأول من الندوة بفتح المجال للمتدخلين، إذ تفاعل الأساتذة والطلبة مع كل المداخلات بالتنويه عليها وبالملاحظات والأسئلة.

اليوم الثاني

الجلسة العلمية الرابعة

ترأس هذه الجلسة الدكتور إدريس جبري، من كلية الآداب والعلوم الإنسانية ببني ملال، تضمنت أربع مداخلات:

المداخلة الأولى:

وهي مداخلة الدكتور سعيد جبار من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجديدة، في موضوع: بلاغة السرد، في كتاب “البلاغة والسرد” لمحمد مشبال.

أشار الدكتور في عرضه إلى الجدل الذي أثاره مصطلح البلاغة في السنوات الأخيرة في مجموع الدراسات التي تهتم بالمجال، وتحاول إعادة تأسيس المفهوم بناء على بعض التصورات الحديثة.

ذكر أن الحجاج ليس مفهوما حديثا، بل هو متأصل في البلاغة الأرسطية ويرتبط فيها بالبعد الإقناعي للخطاب خصوصا في حديث أرسطو عن الخطاب السياسي من خلال مفاهيم: الإيتوس، اللوغوس  والباتوس، وبذلك يكون الحجاج متأصلا في الفكر الإنساني من خلال السؤال المحوري: بلاغة السرد أهي بلاغة وصفية أم حجاجية؟ وما العلاقة بين التصوير والحجاج في الخطاب السردي؟

قدم المتدخل تصوره حول بلاغة السرد من خلال محاورة مجموعة من المفاهيم والتصورات التي جاء بها محمد مشبال في كتابه “البلاغة والسرد جدل التصوير والحجاج في أخبار الجاحظ “، فوقف المتدخل بإيجاز عند بعض القضايا التي يثيرها موضوع بلاغة السرد في الكتاب، ومن أهم هذه القضايا قضية المصطلح والتجنيس بين الثوابت والمتغيرات، والخبر بين المرجعي والتخييلي، وثنائية التصوير والحجاج في بلاغة السرد.

خلص المتدخل في تركيبه إلى أن ” البلاغة الرحبة ” واسعة المجال متشعبة الفروع، ومغرية بما تحمله من إمكانيات هامة تساهم في تطوير مفهوم الأدب، كما تساهم في تطوير درس الأدب ومقارباته على المستوى التعليمي والبيداغوجي.

المداخلة الثانية:

وهي مداخلة الأستاذ الباحث سليمان الطالي من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالعرائش، في موضوع: بلاغة النادرة بين المنجز والآفاق.

عرض المتدخل مسار تطور المشروع البلاغي لمحمد مشبال من خلال مؤلفاته كلها، وإبراز تصوره لمفهوم البلاغة انطلاقا من كل مؤلف، والإشارة إلى المقاربة المنهجية التي اعتمدها، كما عرض التصور النقدي والمنهجي الذي انطلق منه في كتاب “بلاغة النادرة”.

أشار إلى تحليل مشبال لنوادر “البخلاء للجاحظ” تحليلا بلاغيا أسلوبيا، كما بين طبيعة المقاربة النقدية ” البلاغة النوعية”؛ التي سعى إليها مشبال في كتابه “بلاغة النادرة”، من خلال استقصاء طبيعة جنس أدبي سردي اقترن بالجاحظ؛ هو “النادرة”؛ الساعي مع غيره من المؤلفين القدامى إلى إرساء بعض أصول بلاغتها. فالدراسة توحي في ظاهرها إلى تحليل نصوص من نوادر “البخلاء” تحليلا بلاغيا أسلوبيا، بينما باطنها طموح في الإسهام في تجنيس النادرة.

عرج المتدخل على مكونات وسمات النادرة، فالأولى حددها في: الطرافة، وصورة اللغة، والعبارة الختامية، والثانية في: العري والاحتجاج والحيلة والتعجيب، والتهكم والتضمين التهكمي والتصوير اللغوي.

خلص إلى أن هذه الدراسة فتحت المجال واسعا للباحث نفسه لتطوير تصوره البلاغي وتوسيع منجزه النقدي، الذي تمثل في الانفتاح على المكون الحجاجي في مقاربة بعض النوادر في كتابه “البلاغة والسرد”، وانتهى إلى أن غايته المثلى هي إثبات قدرة العربية على تجسيد جماليات أجناس غير شعرية لم تحظ بالتقدير في تراثنا النقدي والبلاغي،ومنها النوادر.

المداخلة الثالثة:

وهي مداخلة الأستاذ الباحث عبد الله موساوي من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بمراكش، في موضوع: البلاغة الرحبة في “بلاغة النادرة “.

ذكر في بداية مداخلته بالإشكال الذي حفز الباحث المضي في توجهه: كيف يكون النص السردي العربي عاريا من المحسنات البلاغية ورغم ذلك يحفل بالجمالية التي تحتوي الخطاب دونما اعتبار للبلاغة المعيارية التقعيدية الجزئية؟.

للإجابة عن السؤال عمد إلى استقراء مضامين كتاب “بلاغة النادرة” لاستخراج الآليات العامة المتحكمة في تأليفه والموضحة لمعارفه، كما أشار إلى التصور النظري للبلاغة الرحبة في “بلاغة النادرة”.

انطلق محمد مشبال حسب المتدخل في دراسته للبلاغة الرحبة في نوادر الجاحظ من تصورات تمثلت في منطلقات ومرتكزات واتجاهات.

المنطلقات:

أ_ الوعي بالسؤال الإشكالي.

ب_ الوعي بأهمية النثر العربي.

ت_ الوعي بالمغامرة التحليلية.

المرتكزات العلمية:

أ_ الوعي بجمالية الشعر .

ب_ الوعي بجمالية النثر.

ت_ الوعي بجمالية النادرة.

الاتجاهات النقدية:

أ_ الأسلوبية.

ب_  الشعرية.

ت_ التداولية.

وضح تجليات البلاغة الرحبة في نوادر الجاحظ من خلال مؤشرين:

1.الإطار العام للبلاغة.       

  2  .صياغة النوادر ببلاغة نصية مخالفة لبلاغة الشعر المعيارية.

تتجلى بلاغة النادرة حسب المتدخل في كليات فنية نصية وذكر بعض عناصرها: العري والتستر والتصوير الواقعي والطرافة والعجيب والضحك والسخرية وكلها تنم عن بلاغة رحبة تميز النادرة.

ختم بسؤال: ألم تعد كتابات الجاحظ النقدية والإبداعية والاجتماعية في حاجة إلى إعادة القراءة في عصرنا اليوم.

المداخلة الرابعة:

وهي مداخلة الأستاذ الباحث عبد العزيز جابا الله من مختبر الترجمة وتكامل المعارف في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بمراكش، في موضوع: “بلاعة الشعر عند الجرجاني، قراءة في كتاب “مقولات بلاغية في تحليل الشعر” للدكتور محمد مشبال”

بين المتدخل سبب تحديده لهذا الكتاب، راجع لكونه محطة أولى في مشروع الدكتور ولبنة محكمة في ذلك الصرح الممتد، كما يمكن اعتباره كتابا مؤصلا لمشروعه.

تهدف مداخلته إلى التأصيل لبلاغة النوع الأدبي الذي كان طموح الدكتور، فأصبح حقيقة يتطور حينا بعد حين إلى آخر إصدار “في بلاغة الحجاج”

إن اختيار عبد القاهر لم يكن عبثا بل له ما يبرره؛ ولذلك أشار إلى بعضها، مؤكدا ذلك ببعض خلاصات  الدكتور مراد عياد حول أهمية الشعر عند الجرجاني، وذلك في كتابه “مدونة الشواهد الشعرية في التراث البلاغي العربي من الجاحظ إلى الجرجاني”.

بين المتدخل “بلاغة الشعر” انطلاقا من المستويات الآتية:

اللفظ

المعنى

التصوير الفني

المتلقي

استنتج أن حضور المتلقي عند الجرجاني وإشراكه في بلاغة الشعر ليؤكد عدم  معيارية هذه البلاغة، وعدم انضباطها لقواعد تملي على الشاعر أو متلقي هذا الشعر، بل إنها بلاغة مرتبطة بالذوق، مؤكدا في نهاية مداخلته أن الكتاب مهم في بابه ويحتاج إلى قراءات أخرى.

الجلسة التكريمية

         ترأس هذه الجلسة الدكتور مولاي مصطفى أبو حازم من كلية الآداب بمراكش، الذي وجه كل الشكر والتقدير للدكتور عبد الحميد زاهيد مدير مختبر الترجمة وتكامل المعارف وإلى كل من سهر على إنجاح هذا الحفل. ليعطي الكلمة للدكتور سعيد جبار من كلية الآداب بالجديدة، الذي قدم شهادته في حق المحتفى والذي عبر من خلالها على مدى سعادته بمعرفة المحتفى به، كما توقف عند أهم المحطات العلمية التي جمعتهما، لتتوالى بعد ذلك شهادات كل من الدكتور العزاوي من كلية الآداب ببني ملال، والدكتور محمد اليملاحي من المدرسة العليا للأساتذة بالرباط، والدكتور رشيد شجيع من كلية الآداب بتطوان، الذين قدموا بدورهم شهاداتهم العلمية في حق المحتفى بهم، كما عبروا عن فخرهم واعتزازهم بمعرفة الدكتور محمد مشبال المحتفى به.

      وبعد الشهادات العلمية التي تقدم بها أصدقاء الدكتور المحتفى به، نقل رئيس الجلسة الكلمة للمحتفى به، والذي عبر من خلالها عن مدى سعادته بهذا التكريم العلمي الكبير، كما نوه بالمستوى العلمي للمداخلات التي رافقت هذا التكريم، لينهي المحتفى به كلمته بتقديم الشكر الجزيل للجهات المنظمة وأخص بالذكر مختبر الترجمة وتكامل المعارف في شخص مديره الدكتور عبد الحميد زاهيد. وفي الأخير سلم عميد الكلية الدرع التكريمي للمحتفى به.    

مقالات ذات صله